السبئي نت أحمد ناصر الشريف : صادف يوم أمس الأول الثلاثاء الموافق 23 يوليو 2013م مرور واحد وستين عاماً على قيام الثورة العربية الأم في العصر الحديث- ثورة 23 يوليو عام 1952م بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر -رحمه الله- والتي قامت خلال العقدين الأولين من عمرها بدور كبير في دعم حركات التحرر في الوطن العربي
وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لطرد الاستعمار الأجنبي الذي كان جاثماً على العديد من الدول في هذه القارات الثلاث.. وبفضل ثورة 23 يوليو شهدت الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حراكاً شعبياً وسياسياً كانت تشكل القاهرة منارته للإطلال منها.. كما شكلت محطة لينطلق منها الأحرار وتصويب سهامهم نحو المستعمرين حيث أجبروهم على الخروج بفعل الضربات التي كانت توجه اليهم من قبل الفدائيين، ونتيجة لذلك أجبرت فرنسا وبريطانيا واسبانيا وإيطاليا للتخلي عن مستعمراتها في الوطن العربي، وفي عدد من الدول الأخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وبفضل ما قدمته ثورة 23 يوليو بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر لحركات التحرر والوقوف الى جانبها تحررت المغرب وتونس والجزائر والشطر اليمني الجنوبي والصومال وجيبوتي وسلطنة عمان وقطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة، وكانت قبل ذلك قد انسحبت بريطانيا وفرنسا وايطاليا من سورية والعراق ولبنان وليبيا، ولم يأتِ العام 1970م الذي رحل فيه القائد جمال عبدالناصر الا وقد أصبح الوطن العربي بالكامل محرراً من كل أشكال وأنواع الاستعمار العسكري الأجنبي.. ولو قدر لهذا القائد الفذ أن يعيش فترة أطول لكان عمل على تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني واسترجاع المسجد الاقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وعمل على تحرير الدول والشعوب العربية من الاستعمار الاقتصادي والسياسي الذي تئن تحت وطأته اليوم بفعل ما أصابها من ضعف، حيث استطاع أعداؤها أن يضربوا وحدتها الوطنية، ويثيروا في أوساطها الفتن الطائفية والمذهبية والعنصرية لإشغال الشعوب بها حتى لا تقوم لها قائمة، كما عملوا على دعم الأنظمة الديكتاتورية بحيث تقوم بهذا الدور.
لكن صبر الشعوب العربية على ما يجري لهذا نفد، فانفجرت غاضبة مع بداية العام 2011م وهو الأمر الذي مكنها من اسقاط أربعة أنظمة مع حكامها فشكل ذلك هزة قوية لكل الأنظمة الديكتاتورية في الوطن العربي التي سارعت الى اتخاذ خطوات إصلاحية والاهتمام بقضايا الشعوب خوفاً من الثورة عليها.
ولأن مصر دائماً تشكل حجر الزاوية فقد انطلقت عجلة التغيير منها كونها الدولة المؤثرة في الوطن العربي بعد فترة جمود شهدتها مصر عقب التوقيع على اتفاقية «كامب- ديفيد» المشؤومة التي حجمت دورها وكبلتها بقيود لم تستطع التخلص منها حتى الآن.
وحين جاءت جماعة الاخوان المسلمين الى الحكم بإرادة شعبية، حيث منحها الشعب المصري ثقته تعاطفاً معها من جراء ما أصابها في العقود الماضية من ملاحقات واعتقالات لقياداتها، ولاعتقاد بأن تجربتها الطويلة في موقع المعارضة قد أكسبها خبرة سياسية وإدارية فراهن عليها الشعب المصري لتقوم بقيادة عملية التغيير التي تمت بفضل ثورة الشباب.. لكن كانت الصدمة كبيرة حين تفاجأ شعب مصر بأن جماعة، الاخوان المسلمين قد تعاملت معه بعد وصولها الى الحكم وكأنه جناح تابع للجماعة والمطلوب منه السمع والطاعة ومع ذلك لم يفقد أمله لشدة ثقته بأن التغيير سيحدث لا محالة، وسيعود لمصر دورها المؤثر في العالمين العربي والاسلامي بعد أن زالت كل المسببات التي كانت تمنعها من القيام به خلال الثلاثة العقود الماضية، وأن جماعة الاخوان المسلمين مؤهلة للقيام بهذا الدور.. لكن خطاب الرئيس المعزول محمد مرسي في الذكرى الأولى لتوليه الحكم نزل على المصريين كالصاعقة لما احتواه من مغالطات وتهديد ووعيد لمن يخالف تعليمات الجماعة، فلم يكن أمام الشعب المصري خيار غير الخروج الى الشارع لاسقاط الشرعية عن الدكتور مرسي وسحبها منه، وقد وجد الجيش المصري نفسه ملزماً بالوقوف الى جانب إرادة الشعب، كما سبق له ووقف الى جانب إرادته في بداية العام 2011م عندما اسقط حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وتسليم الحكم لرئيس المحكمة الدستورية المستشار عدلي منصور خلال الفترة الانتقالية، وهي خطوة جريئة أعادت للشعب المصري الحق الي نصابه وأحيت الأمل في نفوس المصريين والعرب جميعاً لعودة مصر الى ممارسة دورها الريادي الذي كانت تقوم به في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
ومع أن الأوضاع ماتزال متوترة في مصر جراء رفض جماعة الاخوان المسلمين التسليم بإرادة الشعب التي اسقطت عنها شرعية الحكم لفشلها في القيام بواجبها الوطني, لكن الشيء المؤكد أن المصريين قادرون على الخروج من أزمتهم, وسيتعاملون مع هذه الأوضاع بحكمة ودراية لأن مصلحة مصر تقتضي أن يتم التغلب على كل ما هو خلاف شخصي والترفع فوق الصغائر بحيث يتم الإعداد جيداً خلال الفترة الانتقالية للانتخابات القادمة, والتي يحق لكل القوى السياسية خوضها والشعب المصري حينها سيكون صاحب قرار من يمثله في الحكم.