فبعد الدوحة حط جون كيري اليوم في الرياض حاملا هاجس الاقتراب من سورية التي ينتقل بطائرته حولها ولم يستطع حتى الآن فك الشيفرة لدخولها ويبدوأنه يعول اليوم أكثر من أي وقت مضى على تسليح مشايخ النفط وخزائنهم المتخمة لإنقاذ إدارته من ورطة وقعت فيها جراء الحسابات الخاطئة في زمن التغيرات الاستراتيجية على مستوى العالم.
وليس خافيا إن كيري يتقن فن تركيب الأدوار فالمملكة التي يزورها باتت عصبا مهما في "حماية الاستقرار في المنطقة" حسب وصفه رغم أنه يعلم أن استقرارها رهن بالقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها إلا أن الأخطر أن كيري حرص على الدخول من بوابة التحريض ومغازلة الحس المتعصب لدى مضيفيه فجعل المشكلة في سورية كامنة "بتدخل حزب الله وإيران" وذلك لاستفزاز مشاعر الوهابية في السعودية شعبيا ورسميا.
ومن حيث لا يدري سقط كيري في فخ التناقضات عندما أقر بأن الأزمة في سورية باتت "عالمية" مع أنه قبل ذلك اختصرها بمطالب "شعبية وحقوق الشعب السوري وتظاهرات سلمية" وما إلى ذلك من عبارات لا تمت إلى صلب الموضوع بصلة وتتعامل معه بسطحية لا تناسب كون المشكلة عالمية وتتعلق بمساعي واشنطن للسيطرة على مناطق النفوذ في العالم وإن كان ذلك على حساب مصالح الشعوب.
ودون أي تعليق على الأخبار المتواترة من مصادر مختلفة استخباراتية وإعلامية حول ":تسليح نظام آل سعود الإرهاب في سورية وإطلاق السجناء شرط توجههم إليها للقتال" عاد كيري للحديث عن "الحل السياسي الذي يسمح للشعب السوري باتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبله" ليأتي السؤال إذا كان يريد للشعب السوري اتخاذ القرار فماذا يفعل في الدوحة والرياض وماذا سيفعل في عمان المحطة القادمة ولماذا لا يقبل بما يقبله السوريون في صناديق الاقتراع وتنتهي الحكاية هنا.
كيري الذي ياتي محملا بقرارات تسليح "المعارضة "التي اتخذت بالدوحة ووضع إمضاءه عليها لم يجد حرجا في الحديث عن "مؤتمر جنيف والانتقال إلى الديمقراطية في سورية" الذي أردفه بعبارة استفزت كل السوريين عندما قال هناك فرص لكل ذلك "بقيادة السعودية والولايات المتحدة" لكون السوريين يناضلون اليوم لكسر هذه القيادة الرعناء في المنطقة ولا يعقل أن يعطوا قيادتهم لمن يرسل إليهم الإرهاب.
إلا أن كيري لم يخف الهدف الحقيقي لتنقله في المنطقة فهو يريد "دراسة الدور الممكن لكل دولة يزورها وكيفية التنسيق بينها بشكل أفضل" إذ إن الموضوع بات بحاجة لكثير من التنسيق بعد انهيار الخطط السابقة وتراجع أسهم المشروع الأمريكي في المنطقة وتهاويه تحت ضربات محور المقاومة المتماسك.
ويبدو أن طول الخبرة وتقادم الزمن على وزير خارجية آل سعود جعل الأمور تشتبه عليه فاعترف بنصف الحقيقة ممثلة بأن أخطر ما تتعرض له سورية هو "مشاركة مقاتلين أجانب" إلا أنه وضع ذلك برقبة حلفاء سورية وكانه لم يسمع أسماء رعاياه الذين تتداولها وسائل الإعلام بالعشرات عندما يقتلون في سورية أو لم تصله فتاوى القرضاويين الداعين لحرف جبهة "الجهاد "باتجاه سورية بدل فلسطين المحتلة أو أن تحذيرات الدبلوماسيين الأوروبيين من خطورة ظاهرة هجرة الإرهاب إلى سورية من أوروبا وغيرها لم تصل مسامع الأمير الشيخ لأن العمر له حقه.
ولأن العمر له حقه أيضا فقد تندر السوريون على تصريحات الفيصل عندما قال "سورية أرض محتلة وهذا يتطلب تحركا دوليا سريعا" فالرجل بات يخلط بين فلسطين وسورية وهذا ليس عيبا لمن كان في سنه ووضعه النفسي ولذلك أراد السوريون أن يقولوا له لا باس.. إن كنت تريد تحرير سورية فعليك بفلسطين فهي قطعة منها وهي بالفعل محتلة.
وحارت الكلمات على لسان الدبلوماسي الهرم فكل ما يمكن أن يقوله قاله عبر سنتين ونيف فلا تسليحه نفع ولا تحريضه أنتج ولا ماله اشترى نصرا ولا وهابيته لقيت أذنا فلم يجد إلا أن يتخيل نفسه قوة عظمى ليطالب "بقرار دولي واضح لا لبس فيه يمنع تزويد النظام السوري بالسلاح ويؤكد بالوقت ذاته على عدم مشروعية هذا النظام" ليرد عليه مختصون بالشأن السياسي لو كان ذلك ممكنا لما رأيت كيري اليوم يقف محتارا على بعد ساعات من دمشق التي أربكته.
وفي انفصال كامل عن الواقع أراد الدبلوماسي الهرم أن يقلب الحقائق فقال إن "ائتلاف المعارضة أصبح يحظى باعتراف المجتمع الدولي" متجاهلا حقيقة أن هذا الائتلاف لم يحصل سوى على اعتراف المجلس الذي يديره آل سعود في الخليج تحت اسم "التعاون الخليجي" بالإضافة لحكومة بني عثمان التي تعد أيامها للرحيل مع اعترافاتها.
وحتى يظهر إلماما بالأمور الميدانية وحنكة عسكرية لم يصادف إنه اكتسبها في أي ميدان ادعى سعود أن "المملكة تؤكد ضرورة تغيير توازن القوى على الساحة السورية" منوها "بقرار الولايات المتحدة إرسال مساعدات عسكرية إلى المعارضة" ولكن ألم يرسل هو سلاحا في السابق فهل غير توازن القوى أم أنه اليوم مضطر لإعادة الحسابات.
وبدا سعود واثقا بأن أمريكا هي صاحبة الفعل في معسكر أعداء سورية عندما عبر عن "ارتياحه لما سمعه حول نية أمريكا الحفاظ على التوازن العسكري وما سماها شرعية ائتلاف المعارضة" فالأمر بيد واشنطن إذا سواء لجهة السلاح أو لجهة الشرعية في هذا المعسكر ولا حول أو قوة لمن سواها.
وسواء ارتاح الفيصل أو تعب فإن مربط الفرس في العدوان على سورية يبقى في واشنطن وتل أبيب ولابد من النظر بجدية لما تخططان اليوم والتحسب لكل ما يمكن أن يورطوا به الآخرين تجاه سورية و التعامل مع خطط واشنطن القائمة على إطالة أمد الأزمة في سورية لزيادة الدمار والخراب من جهة والبحث عن مخارج ترضي واشنطن من جهة أخرى بعد أن فشلت حساباتها السابقة بفضل صمود السوريين ووفاء الأصدقاء لهم.