السبئي نت:- بقلم أحمد الشرقاوي:لست من عشاق الخطاب العاطفي الذي روج له المثقف العربي لعقود مضت، فأنتج لمجتمعه الأزمات والكوارث، ولست من محترفي التحليل الموجه من منطلق التموقع لصالح هذه الجهة أو تلك،
وأفضل التعامل بعقلانية وحياد قدر المستطاع مع الخطاب السياسي، ومقارنته بالمعطيات الموضوعية والوقائع الميدانية التي تفرزها تداعيات الصراع الإقليمي والدولي الدائر اليوم في الملعب السوري.. وذلك من منطلق رؤية شمولية تركز على الصورة كاملة، بدل التركيز على جانب واحد من المشهد كما يفعل الإعلام المتحامل اليوم، في محاولة منه لتشويه الحقائق، وتحوير الوقائع، وتضخيم الأحداث، بهدف التأثير على الرأي العام وتوجيهه الوجهة التي تخدم أهدافه وتحقق مصاله، من خلال توليد وعي حاد يوشي بتفاقم المشكلة واستحكام الأزمة، وايهام الناس أن الرئيس بشار الأسد محاصر نفسيا وإعلاميا وعسكريا، وأن ساعة سقوطه آتية لا ريب فيها ولو بعد حين.
وأفضل التعامل بعقلانية وحياد قدر المستطاع مع الخطاب السياسي، ومقارنته بالمعطيات الموضوعية والوقائع الميدانية التي تفرزها تداعيات الصراع الإقليمي والدولي الدائر اليوم في الملعب السوري.. وذلك من منطلق رؤية شمولية تركز على الصورة كاملة، بدل التركيز على جانب واحد من المشهد كما يفعل الإعلام المتحامل اليوم، في محاولة منه لتشويه الحقائق، وتحوير الوقائع، وتضخيم الأحداث، بهدف التأثير على الرأي العام وتوجيهه الوجهة التي تخدم أهدافه وتحقق مصاله، من خلال توليد وعي حاد يوشي بتفاقم المشكلة واستحكام الأزمة، وايهام الناس أن الرئيس بشار الأسد محاصر نفسيا وإعلاميا وعسكريا، وأن ساعة سقوطه آتية لا ريب فيها ولو بعد حين.
لا شك أن حديث الأسد “التصعيدي” لفضائية الإخبارية السورية أمس، خلف من القلق لدى أمريكا وحلفائها وأدواتها في المنطقة أكثر مما كانوا يتوقعون.. لم يكن الأسد يتصنع الهدوء، ولم يكن قلقا بما يوحي أنه محاصر أمنيا وعسكريا على الأرض كما روجت لذلك بعض الأقلام المأجورة، ومنها ‘طبال’ لندن صاحب ‘القدس العبري’. بدليل أن أول رسالة بعث بها الأسد أمس، هو اختياره لوسيلة إعلام سورية ليبث من خلالها رسائله لمن يهمه الأمر، وهو ما يعني أن الحصار الإعلامي الذي فرض على سورية لشهور طويلة قد تم تجاوزه.. وها هو العالم بأسره من خلال امبراطويات إعلامه ينقل فحوى خطاب الأسد، وها هم المحللون باختلاف مرجعياتهم ومناهجهم وتوجهاتهم يتناولون خطاب الأسد بالتفكيك والتحليل وإعادة التركيب.
الأسد لم يعد محاصرا عسكريا كما قيل، بدليل أن مضمون حديثه ما كان ليعد له بشكل متقن ومدروس، وبمضمون تصعيدي ملأه التحدي، وبنبرة عالية ونفسية مطمئنة واثقة، لو لم يكن يتحكم في مسار الصراع على الأرض، ويمتلك أوراق القوة بيده، بعد أن أفشل الرهان الدولي والإقليمي على تدمير سورية الدولة والكيان بواسطة الإرهاب، خلال وقت قياسي لم يتوقعه أحسن خبراء الإستراتيجيا في العالم، ولم يفهموا سره إلى اليوم، وهو الموضوع الذي خصصنا له مقالا نشر على “بانوراما الشرق الأوسط” تحت عنوان “الحرب في سورية: أشباح ضد الأشباح”.
الخطاب حمل في طياته مجموعة من الرسائل المقتضبة والمركزة، منها الواضح ومنها المرموز لجهات خارجية وداخلية، بلغة سياسية راقية، تبدو بسيطة في الشكل لكنها مشفرة من حيث المضمون. وبهذا المعنى كان الخطاب واقعيا وعقلانيا وفي مستوى اللحظة التاريخية التي تمر منها سورية والمنطقة برمتها.
اختيار اللحظة لم يكن عفويا، بل تعمد الأسد أن يلقي خطابه ‘الحديث’ بمناسبة عيد الجلاء، لما لهذه الذكرى من رمزية تاريخية في الوعي الشعبي السوري عموما، ولدى المحتل الفرنسي بشكل خاص، ومفاده، أن سورية التي انتصرت على الاستعمار الفرنسي وطردته من أرضها بالأمس، ترفض رفضا قاطعا أن تطأ أقدام هذا المحتل المهزوم أرض سورية اليوم، ولو من باب الصداقة وتقاطع المصالح الإقتصادية.. هذا معناه، أن سورية، وبجلاء المستعمر الفرنسي عن الأرض، لم تحقق استقلالا صوريا على شاكلة ما حصل مع مستعمرات فرنسية قديمة في بلدان المغرب العربي مثلا، بل امتلكت قرارها السيادي السياسي والإقتصادي والأمني كاملا غير منقوص، وهي لم تكن في الماضي حديقة خلفية للسيد الفرنسي ولن تكون كذلك مستقبلا مهما كلفها الأمر. وها هي سورية تقول اليوم على لسان رئيسها بشار الأسد، أن لا عودة لفرنسا إلى الأرض السورية المقدسة بعد اليوم. هذه رسالة تحدي سياسية خطيرة استقبلها الفرنسي بغضب وامتعاض، وسيكون لها ما بعدها، بحيث لن نفاجأ بعد اليوم من رد الفعل الفرنسي المراهن على الوهم.
أما العنوان الأول الهام الذي حمله حديث الأسد فيمكن اختزاله في عبارة تقول: “الرهان الإستراتيجي في سورية انتهى”. وهذا معناه، أن الخيار العسكري ضد سورية قد سقط إلى لا رجعة، ولم يعد في مقدور الإدارة الأمريكية وحلف الناتو وأدواتهما في المنطقة، التدخل عسكريا في سورية. بسبب موازين القوى الجديدة القائمة. فمناورات روسية في البحر الأسود، ورسائل إيران التي سبقتها، عزلت تركية نهائيا من معادلة الصراع في المنطقة، وأسقطت أوهامها بلعب دور الشرطي الإقليمي لصالح الأمريكي والحلف الأطلسي من خلال تدمير سورية التي تعتبر بوابتها الوحيدة على العالم العربي. وقد كان لافتا تركيز الأسد على حزب العدالة والتنمية عبر الهجوم الشخصي على رجب طيب اردوغان وقوله بفشل سياسة “الصفر مشاكل” التي ابتدعها وزير خارجيته احمد داوود اوغلو، حيث قال الأسد: “إن هذه السياسة انتهت إلى صفر رؤية و صفر سياسة و صفر أخلاق. وأن أردوغان على استعداد للتضحية بكل شيىء من أجل نفسه”. كما كان لافتا أيضا قول الأسد أن رهان أردوغان على المكون الكردي السوري رهان فاشل، لأن سورية ليست هي تركية، ولم ترتكب في الماضي مجازر ضد الأكراد من شعبها ولا ضد أحد كما فعل الأتراك ضد الأرمن أيام الخلافة العثمانية، وخلص إلى القول أن المكون الكردي مكون وطني سوري أساسي، وأن تكتيت وهم السلام التركي مع الحزب العمالي الكردستاني الذي يستهدف سورية لن يكتب له النجاح، وفق ما أكدت أطراف كردية تركية للرئيس بشار شخصيا، وهذه معلومة على قدر كبير من الأهمية.
هذا الأمر أقلق الإدارة الأمريكية بشكل جدي، خصوصا إشارة الأسد الضمنية إلى استعداد سورية لتفجير المنطقة برمتها في حال الإعتداء عليها، بل والتلويح باستعمال السلاح الكيماوي قبل ذلك، من منطلق المقولة الشهيرة: “علي وعلى أعدائي”. كما أن الصراع المفتعل في شرقي آسيا من خلال تهديد كورية الشمالية بشن حرب نووية على كورية الجنوبية واليابان والقواعد العسكرية في المنطقة وضرب الساحل الشرقي الأمريكي، كان لها وقع الصدمة لدى صناع القرار في الإدارة الأمريكية، لدرجة أن الرئيس أوباما أعلن رسميا، قبل أسبوعين، تحويل الإستراتيجية من الشرق الأوسط إلى شرقي آسيا، في الوقت الذي دخلت فيه الديبلوماسية على خط التهدئة، مطالبة بالحوار مع الصين لتطويق الأزمة التي اعتبرها البانتاغون تهديد جدي وخطير لأمن ومصالح أمريكا في المنطقة والعالم.
العنوان الثاني الهام الذي حمله خطاب الأسد مفاده: أن “لا خيار أمامنا إلا الإنتصار أو ستنتهي سورية”. بمعنى أن الحرب الكونية المفروضة اليوم على سورية هي حرب وجود بامتياز تستهدف الدولة والكيان، وتسعى لتفتيت سورية وتقسيمها بهدف إضعافها خدمة لأمن ومصالح الكيان الصهيوني الغاصب، بعد أن لم يعد لجيوش العربان من وجود سوى الجيش العربي السوري الذي يمثل اليوم آخر قلاع المقاومة والصمود في وجه هذا المشروع التدميري الكبير والخطير. لا خيار إذن أمام سورية إلا الانتصار أو إحراق المنطقة، بعد أن رفضت بشكل قاطع التخلي عن مشروع المقاومة وفك ارتباطها بإيران وحزب الله.. هذا هو جوهر الصراع من مبتداه إلى منتهاه، وكل حل وسط يعني الانبطاح والقبول بالهيمنة الصهيوإمبرالية في المنطقة، وهو ما ترفضه سورية بشكل قاطع، كما أن طبيعة الجغرافية السورية من جهة، والتركيبة ‘المتجانسة’ للإثنيات والديانات والمذاهب في سورية، لا تشكل بيئة مساعدة على الفتنة والانفصال، كما يتوهم المراهنون على التقسيم، من جهة أخرى.
العنوان الثالث الهام الذي حمله الخطاب، مفاده: أن سورية انتصرت حتى الآن في كل المعارك التي شنت عليها خلال السنتين المنصرمتين، وإن كانت الحرب لم تنتهي بعد، وهذا الإنتصار ما كان ليتحقق لولا صمود الشعب السوري والتفافه وراء قيادته وجيشه وايمانه بالدولة السورية المستقلة، القوية، المقاومة و الممانعة. ولم يفت الرئيس ‘الأسد’ بالمناسبة أن يربط بين ما يحدث اليوم في سورية وما حدث بالأمس من هجوم همجي على المقاومة في لبنان، وهو بهذا المعنى ينبه إلى أن الحرب الدائرة اليوم في سورية هي استمرار للحرب التي شنت على محور المقاومة في لبنان عام 2006، وانتصار المقاومة في لبنان – كما قال الأسد – لم يكن بفضل قوة جند حزب الله وسلاحه، بل بفضل الشعب الذي احتضن المقاومة ووقف إلى جانبها في أحلك الظروف.. ما أراد قوله الأسد من خلال هذا الربط الذكي بين الحرب في سورية والحرب على المقاومة اللبنانية هو: أن الهدف الحقيقي من وراء هذه الحروب، هو القضاء على محور المقاومة برمته وليس اسقاط الرئيس بشار الأسد لينعم الشعب بالحرية والديمقراطية كما يبشر بذلك المتآمرون ويروج له العملاء والخونة.. وها هي الحقائق على الأرض في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن، وتونس، ومصر… تكذب هذا الإدعاء. لكن هناك رسالة أخرى ضمنية في هذا العنوان، وهي أن المراهنين على ردة الشعب السوري قد خسروا الرهان، لأن هذا الشعب العظيم اختار الدولة على الإمارات الظلامية فانتصرت سورية، وافتضح أمر الخونة في المعارضة اللقيطة التي كانت تتحدث باسم الشعب السوري زورا وبهتانا.
العنوان الرابع الهام في حديث الأسد خصصه للإرهاب، وهنا أثبت الرئيس السوري للعالم أن ما كان يجري في سورية منذ البداية، هي حرب طاحنة ضد الإرهاب الدولي الذي تدعمه مخابرات أمريكا وحلفائها وأدواتها في المنطقة بالمال والسلاح والمجندين، وتضع لهم الخطط والأهداف وتمدهم بالمعلومات الحساسة.. وهو ما يفضح خطاب هذا الحلف الامبريالي والصهيو عربي أمام العالم ويكشف تحالفه المشبوه مع تنظيم القاعدة.. هنا، أوضح الأسد كذلك أنه كان صادقا منذ اليوم الأول حين تحدث عن حربه ضد الارهاب المستورد إلى سورية برغم تكذيب إعلام الغرب والمعارضة لهذا الخطاب وادعاء أن الأسد كان يحاول خداع العالم من خلال إثارة موضوع الإرهاب، وأن الحرب الدائرة في سورية هي حرب النظام على شعبه وقتله للأبرياء بالقصف الصاروخي بالدبابات والطائرات وصواريخ ‘سكود’.
غير أن الأسد في حديثه عن الإرهاب انتقل من الدفاع إلى الهجوم، حيث أنه لم يكتفي هذه المرة بتوضيح حقيقة الحرب التي تشن من قبل المخابرات الدولية على سورية، هذه حقيقة أصبحت واضحة للجميع وأكدتها تقارير وتحقيقات إعلامية موثقة، غربية قبل العربية، بل ما قاله الأسد في هذا المضمار يعد رسالة تهديد خطيرة وخطيرة جدا بكل المقاييس.. لقد أشار، من مدخل النصيحة وتحصيل حاصل، إلى أن الإرهاب سيرتد ليضرب في أمريكا وأوروبا.. لم يشر إلى ارتداد هذا الارهاب على الدول العربية والإقليمية الداعمة له كالسعودية وقطر والأردن والإمارات وتركية مثلا.. لا لم يذكرهم بالمطلق، بل ركز فقط على أمريكا وأوروبا.. وهذا الكلام يفهمه الغرب جيدا، ومعناه بالنسبة للساسة والخبراء، أن الإرهاب لا دين له، وأن الجماعات الإسلامية التي تدمر اليوم وتسفك الدماء في سورية ستفشل وسيقضى عليها نهائيا، لكن هناك جهات أخرى، قد تكون إسلامية وقد لا تكون كذلك، ستضرب في العمق الأمريكي والأوروبي، والغرب يفهم جيدا أن الحرب بالإرهاب على الإرهاب هي حرب مخابرات بامتياز.. بمعنى أن الحرب سجال، اليوم على سورية وغدا قد تتحول إلى حرب على أمريكا وأوروبا في عقر دارها، ومحور المقاومة من ايران إلى لبنان لا تعوزه الوسائل والإمكانيات. هذا ما يستشف من كلام الأسد، قد لا يفهم ذلك المواطن العادي، لكن الرسالة وصلت إلى من يهمهم الأمر. وفي اعتقادي أن مثل هذا الخيار وإن كا لا يزال في مرحلة النصيحة والتحذيرت إلا أنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بحيث تقوم المخابرات الأمريكية بافتعال مجموعة تفجيرات وتتهم سورية وايران وحزب الله بالوقوف من ورائها، لتبرير عدوان شامل على محور المقاومة، وإن كان هذا الاحتمال مستبعد برغم ما تؤكده حقائق التاريخ القريب في عهد إدارة بوش الإبن.. لكنه يبقى احتمال قائم.
أما العنوان الخامس، فهو مخصص للمعارضة بامتياز، حيث أصر الرئيس الأسد على التفريق بين المعارضة الداخاية والخارجية الشريفة، ورفض الحوار مع من ثبت تحالفهم مع الإسرائيلي، في إشارة منه للخونة تجار الدم الذين انخرطوا في مشروع تدمير سورية، واستدعاء الحلف الأطلسي لحسم الأمر عسكريا على الأرض، بهدف الوصول إلى السلطة على الدبابة الأمريكية والأطلسية كما حدث في العراق. ولم يتردد الأسد في وصفهم بأبشع النعوت وفضح خطابهم المتهافت أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. خاصة أن هذه المعارضة العميلة لم تغير خطابها بالمطلق ولم تجنح للسلام ولم توافق على دعوات الحوار المتكرر، مشترطة أن لا يكون هناك حوار إلا بعد سقوط النظام.
لقد أصبح واضحا أن كل المفردات السياسية المستعملة في خطاب ما يسمى بـ”المعارضة السورية” العميلة وداعميها الذين يتصدرون اليوم واجهة السلطات “الرمزية” الإقليمية والدولية، ويروجون لمشروعات فكرية وإنسانية، هي بالمحصلة مفردات تبعث على التقزز والغثيان، وتنم عن غباء واستغباء، واحتقار للعقل العربي، وتكشف عن حجم الإعاقة والتخبط والإرتباك الذي يعاني منه الفكر التآمري على الشعب السوري باسم “الصداقة” كما يزعمون، وتؤكد اليوم بما لا يدع مجالا للشك، أن هذه المعارضة هي عبارة عن مجموعة عملاء لا عمق لهم ولا مشروع ولا شعبية ولا من يحزنون، وحديثهم عن الشعب السوري، والإنسان السوري، وتكرار الأسطوانة المشروخة التي تردد حد التقزز أن النظام في سورية هو من يتحمل دخول الجهاديين إلى البلاد لنصرة الشعب الذي يتعرض إلى إبادة جماعية وتهجير ممنهج.. وغير ذلك من الشعارات الكاذبة الزائفة المضللة، لا يعدو أن يكون من باب الزنا بالكلام. ولو كانوا صادقين مع أنفسهم قبل الشعب السوري، لدانوا رسميا الإرهاب، وتبرؤوا من الارهابيين القادمين من كل أصقاع الأرض لممارسة القتل والذبح والخراب في سورية.. لكنهم بدل ذلك، استنكروا على لسان “الخطيب” قرار الإدارة الأمريكية وضع جبهة النصرة على قائمة الإرهاب، وقبل يومين قال منسق ‘الإخوان المجرمين’ في سورية أن قرار أمريكا هذا كان خطئا.. وهو ما يعني انه في غياب الارهابيين، لا تستطيع شرذمة ما يسمى بـ’الجيش الحر’ العميل حسم معركة فأحرى كسب حرب.
ونأتي للعنوان الهام السادس المتعلق بالأردن، وهنا أود الرجوع بالذاكرة إلى بداية الأزمة السورية. وفي هذا الصدد، أذكر أني كنت قد قرأت خبرا طريفا لم أعد أتذكر مصدره (ربما عرب تايمز) ومفاده، أن حرم العاهل الأردني الأميرة ‘رانيـــا’ اتصلت هاتفيا بحرم الرئيس ‘الأســـد’ السيدة ‘أسمـــاء”، لتسألها عن أحوالها وأحوال الرئيس.. وبفراستها وحدة ذكائها أجابتها السيدة ‘أسمـــاء’: “نحن بخير والحمد لله، لكننا قلقون على جلالة الملك” (؟؟؟).
تفاجأت الأميرة رانيا بفحوى الرد، وأخبرت زوجها الذي كان بجانبها ينتظر ما ستقوله السيدة ‘أسماء’، ليقرأ من خلاله الحالة النفسية للرئيس ‘الأسد’، فيبلغ بها أسياده في اسرائيل وواشنطن، بحكم أنه مجرد كركوز ومهرج يلعب دور الأدات الخبيثة في سورية، مقابل حفنة من الدولارات تغطي فواتير الخمور العتيقة والمشروبات الروحية النفيسة التي تأثت قبو قصره وخماراته وثلاجاته المنتشرة في جنباته، وتوفر له رصيدا محترما يمكنه من ‘فش خلقه’ على موائد القمار في ‘لاس فيغاس’.. وليذهب شعبه والشعب السوري والشعب الفلسطيني جميعا إلى الجحيم.
حديث الأسد عن الأردن في خطابه مساء الأربعاء 17 أبريل/نيسان 2013، هو الذي أحيى في ذاكرتي الحوار المذكور أعلاه، وجعلني أبدأ من حيث انتهى الرئيس.. أي إلى بداية الأزمة في شهر مارس/أذار 2011، لأخلص إلى ما سبق وأن قلته في تحليل سابق من أن المراهنين على الحل السياسي للإزمة السورية إنما يراهنون على الوهم، وأن الصراع على وشك أن يعم المنطقة بكاملها انطلاقا من الأردن وإسرائيل.. وقد أعطى الأسد أمس الإشارة بتركيزه على دور الأردن المشبوه في الحرب ضد سورية.
لقد كان الرئيس الأسد صريحا ومباشرا في هجومه على الأردن وفضح دوره المشبوه ورهانه على ‘الصولد’ في لعبة القمار الدولية ضد سورية. والمحرج لهذا النظام العميل الخسيس، أنه قبل بالسماح لآلاف المقاتلين وآلاف الأطنان من السلاح التي كانت تحمل من فرنسا وبريطانيا وكرواتيا بالدخول إلى الأراضي السورية من بوابة الأردن الشمالية، هذا في الوقت الذي كان يظهر حرصا منقطع النظير وفعالية عالية في إيقاف وإلقاء القبض على أي شخص يحمل سلاحا بسيطا يهدد به أمن الصهاينة في فلسطين المحتلة.
وبرغم إعلان رئيس الحكومة ووزير الإعلام بل والملك الأردني شخصيا قبل خطاب الأسد بساعات، أن الأردن يرفض التدخل العسكري في سورية ويشجع الحل السلمي للأزمة، إلا أن الوقائع تكذب هذا الإدعاء جملة وتفصيلا، حيث أنه مباشرة بعد زيارة الرئيس الأمريكي أوباما الأخيرة للمنطقة واجتماعه مع الملك الأردني، وبعد أن تسلم هذا الأخير مبلغ مليار دولار من مملكة الشر الوهابية دون أن يخبر حكومته بذلك، حتى قرر التورط في الصراع السوري بكل ما أوتي من مكر وخديعة وخسة ونذالة لم نعهدها إلا عند اليهود الصهاينة.
واللافت ما لاحظناه أمس، حيث أنه وبمجرد انتهاء الرئيس الأسد من حديثة على الإخبارية السورية بدقائق معدودات، حتى ذب الهلع في الأردن والولايات المتحدة الأمريكية، فقرر الرئيس أوباما على عجل إرسال 200 جندي من ‘المارينز’ إلى عمان لحماية العميل الصهيوأمريكي من تداعيات خطاب الأسد الداخلية والخارجية على السواء.
لن نغامر في هذه المرحلة بتكهن ما يمكن أن يحدث في المنطقة في المدى المنظور، وعلينا أن ننتظر قليلا لمعرفة خلاصة قراءة خطاب الرئيس السوري في عواصم القرار الغربي وردود أفعال الساسة هناك.. لكن المؤكد أن الحل السياسي في سورية وفق بيان جنيف لم بعد له قائمة، وأن الإبراهيمي طلب رسميا إعفائه من صفته كممثل للجامعة العبرية التي فقدت مصداقيتها وأصبحت طرفا منحازا بعد أن ضربت اتفاق جنيف في مقتل بمجرد قبولها إعطاء مقعد الدولة السورية للمعارضة العميلة. وباحتفاظ الإبراهيمي الذي هو في نهاية المطاف موظف لدى الإدارة الأمريكية، بمهمته كمبعوث أممي، سيحاول اللعب مرة أخرى على الوقت والتناقضات القائمة، لينفذ من جديد إلى سورية بعد أن رفض النظام محاورته كممثل لجامعة العربان.. وهذا المدخل وفق ما يقول مراقبون، قد يحمل بذور اتفاق جديد تحت مسمى “جنيف 2″ حسب ما اشترطت ايران، حيث قام على إثره خبراء الرئيس أوباما بحثه للقبول به والدخول في حوار مباشر مع إيران، لإن من شأن ذلك أن ينقذ ماء وجه الإدارة الأمريكية، ويعوض عنها بعض مما خسرته في كل حروبها ومؤامراتها العبثية في المنطقة.
ما عدى ذلك، فالإنفجار قادم لا محالة وسيبدأ من الأردن ليطال إسرائيل فينفجر الشرق الأوسط برمته، وهذا ما يخشاه الغرب بشدة ويحاول تفاديه والتركيز على تدمير سورية من الداخل حتى لو طال الصراع عقدا من الزمن..
لكن خطاب الأسد أمس غير كل الحسابات، برفعه لشعار جديد مفاده: “علي وعلى كل أعدائي”.. فأين تذهبون من هنا أيها المتآمرون؟