السبئي نت
أ.د.محمد فكري الجزار
من يوم 25/1/2011 والقرار العالمي والإقليمي هو ألا تعود مصر إلى مصر ، وذلك أنها كادت تعود . وتبعت ذلك سلسلة أوامر ، كان أولها تكليف المخلوع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بصلاحيات الرئيس ، في تجاوز لصريح الدستور الذي ينص على تكليف نائبه بالقيام بالمهام الرئاسية ، إلا أن نائبه الذي سريعا ما تم التخلص منه في ظرف مريب ، يبدو أنه كان يمثل خطورة ما . وكان الأمر الثاني هو تسليم السلطة للإخوان المسلمين ، وكان لابد من اختبار قدرة الإخوان على ضبط العملية التصويتية لصالحهم ، فكان الاستفتاء الأول ، ثم كانت انتخابات مجلس الشعب ، ونجح الإخوان نجاحا باهرا في الاختبارين معا ، فكانت العملية الكبرى ، أعني انتخابات الرئاسة وما تلاها .
إن ما حدث ، وبشكل ديمقراطي جدا ، هو الفصل نهائيا بين نظام الحكم ومؤسسات الدولة ، فنظام الحكم الإخواني له مشروعه غير المعلن لمصر كل مصر تحت اسم “التمكين” والذي يعتمد السرية في تنفيذه ، بينما مؤسسات الدولة تمتلك تاريخا عريقا من الوجود ومنظومة قانونية متماسكة ومنسجمة تضمن آليات عملها . وبالتالي كان الصراع هو سمة العلاقة بين النظام السياسي والدولة المصرية ، في الوقت الذي لم يزل الشارع الثوري محتدما وملتئما حول مطالب ثورته ، فما هو المطلوب ؟ ..
المطلوب ألا تعود مصر إلى مصر قولا فصلا ، وخصوصا في هذه اللحظات الحاسمة من حياة المنطقة ، والمشروع هو الفوضى وإن دامية . وكثيرون إقليميا وعالميا يدفعون إلى هذا ، ولهؤلاء ممثلوهم في الحكم وفي المعارضة وفي الشارع ، فضلا عن خلايا نائمة تعمل لحساب تلك القوى . والمعلومات عند الأجهزة الأمنية لجمع المعلومات كثيرة وكثيرة جدا ، ولكن نظام الحكم الذي ما زال مشروعا تتنازعه قوتان : مكتب الإرشاد ممثلا لهذا المشروع من جهة ومؤسسات الدولة المصرية العريقة المهددة به من جهة أخرى ، مشغول أكثر بالتمكين ، ويوظف ذلك التنازع لحسابه ، بل إنه ليوظف الشارع الثوري ومعه القوى السياسية المعارضة وغير المعارضة تبريدا وتسخينا في هذا السبيل .
ولنكن واقعيين كما يجب ، ولنعترف أن ما يقف دون تمكين النظام هو الدولة ومؤسساتها وليس الشارع الثوري أو المعارضة السياسية ، ولذا فالنظام لا يلقي بالا إلى هؤلاء أو أولئك ، ويتركهم معا للتعامل الأمني المفرط في عنفه ، ويركز تركيزا تاما على استهداف الدولة ومؤسساتها ، وبمنهجية يمكن أن نطلق عليها “الفوضى المنضبطة” . وليس غريبا أن تندرج منهجية الفوضى المنضبطة خطوة مرحلية ضرورية في الطريق إلى مشروع “الفوضى الخلاقة” الأمريكي لدول العالم الثالث ، وبخاصة ذات الدور الاستراتيجي في إقليمها كما هو دور مصر التي أدخلتها أوضاع ما بعد الثورة إلى موقع أولويات ذلك المشروع .
بانوراما