السبئي نت
لم يكن الغرب الجيوسياسي متجانساً في مواقفه التاريخية تجاه مسائل الصراع في المنطقة، وعليها، منذ النزاع المعروف بتطوراته وتشعّباته حول «المسألة الشرقية: تركيا والإسلام». وقد بدأ الغرب يميل نحو الاتفاق في مواقفه خاصة عندما يتعلق الأمر بمناهضة المشروع القومي العربي، ودعم المشروع الصهيوني، وكانت تساعده الخروقات التي يحققها في الصف العربي.
وكان لسورية الطبيعية دور تاريخي فاعل ومعروف في مجابهة الأطماع الجيوسياسية الغربية والعثمانية في المنطقة، فاستحقت دمشق عن جدارة لقب قلب العروبة النابض، ويترسّخ اليوم هذا الدور الذي يجابه تحديات ليست محلية فقط بل دولية أيضاً، ولاسيما بعد أن تم إخراج مصر بثقلها التاريخي من القدرة على دعم المشروع العروبي، ودفعها الى ميدان تكون فيه غير قادرة علىأداء أي دور حتى محلي أو داخلي. هذا مادفع الى تصاعد أدوار أخرى خبيثة تتمثّل بحكومتي قطر وتركيا، لأن إضعاف فاعلية الدور السوري أو المصري أو كليهما يفضي الى تقدم المشروع الأمريكي الاسرائيلي الخليجي.
لذلك لم يعد مصطلح «استهداف سورية» في قاموس السياسة الدولية من المفردات التقليدية، وكذلك: الصمود والممانعة والمقاومة... فقد باتت جميعها من قبيل تحصيل الحاصل. فالأزمة الراهنة التي تعيشها البلاد تثبت بأدواتها وأهدافها الداخلية والخارجية أن المستهدف ليس صورة النظام السياسي وبنيته، بل نهجه ومرتكزاته وتوجهاته الثابتة، وليست الطارئة. إن الغرب الجيوسياسي والرجعية العربية وعملاءهم في الداخل يعملون على تفكيك الدولة الوطنية: قراراً وشعباً وأرضاً، لذلك يرفضون الحوار، وأية مبادرة وطنية للحل تستجيب لمصالح الشعب وقضايا الوطن والأمة.
هذا الرفض محكوم عليه بالفشل: أطرافاً وأدوات وأهدافاً، فالتخريب والإرهاب المنظّمان مقترنان بغياب المرجعية السياسية الواعية والمنتمية والملتزمة بالمصالح والحقوق والمرجعيات الوطنية والعربية والإسلامية، وهذا ماتقوم به التشكيلات الإرهابية الجديدة والسريعة التي لا برنامج وطنياً لها، ولا جدول أعمال بمعزل عن الارتهان للخارج، وهي تواصل سعيها لتوسّل اعتراف ودعم الدول والأطراف الخارجية، بديلاً عن اعتراف الشعب، أو القدرة على التواجد المشروع بين صفوفه، فالمؤتمرات التي تعقد في الخارج ليست مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري، بل هي مؤامرات حقيقية تستهدف تحطيم الروح المعنوية لدور سورية التاريخي بأبعاده الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية أيضاً.
وهذه بدهيات صارت تدركها أغلب شعوب الأرض، لذلك ترتفع اليوم أصوات عديدة في الشرق والغرب تبيّن أن وراء الأكمة ماوراءها، فالمنطقة مثار نزاع جيوسياسي طويل، وللغرب أطماعه التقليدية فيهاالتي طالما تمت مواجهتها والتصدي لها.
ومع الأزمة في سورية بدأت تتشكل أقطاب دولية جديدة تؤدي أدواراً ناهضة ومختلفة في هذا النزاع الذي فرض بالمحصلة، ولابد، جيوسياسية شرقية جديدة تتكون من أكثر من ثلثي سكان الأرض ومساحتها، يؤمن أطرافها ولاسيما العروبيون ودول البريكس أن مجابهة سياسات تحالف الأطلسي والرجعية العربية واجب وطني وإقليمي ودولي وإنساني، ومن هذا المنطلق يزداد الوعي بضرورة صمود سورية وبأهميته ليس الجيوسياسية فحسب، فيراهن إيجابياً كثير من أحرار العالم على قيمة النتائج التي ستنجم عن هذا الصمود المعتاد والمتوقّع والذي بدأ يؤسس لشرق جيوسياسي جديد قادر - وسيعمل - على لجم أطماع الغرب الجيوسياسي التقليدي.
إلّا أن سورية لا تراهن على توسيع آفاق النزاع، ولا تعمل على أن يكون حل الأزمة فيها ميداناً للاستقطاب الدولي، وللنزاع الخارجي، لذلك طرحت قيادتها السياسية مبادرة وطنية بامتياز للحل، تنبع من أعماق الشعب الواعي والمنتمي والملتزم بقضاياه وحقوقه وآماله وتجاوز آلامه. وهذا واضح من رفضها تدويل الأزمة والحل، بعد فشل الجامعة العربية التي تئن تحت سيطرة قطر وتركيا «بعمقها الاستراتيجي» الغادر، وواضح أيضاً من المبادرة التي أطلقها الرئيس الأسد في السادس من الشهر الجاري، حيث تعمل الحكومة بورشة عمل تشاركية لتنفيذ برنامج الحل السياسي المتوافق مع المعايير الدولية ومبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وبيان جنيف التي يجب أن يستند إليها أي حل يضمن الاستقرار في سورية.
إذاً: لايمكن لسورية إلا أن تصمد وتنتصر، وسيتحقق هذا قريباً بتنفيذ البرنامج السياسي الذي أطلقه السيد الرئيس بشار الأسد.
د. عبد اللطيف عمران
