728x90 AdSpace

31 يناير 2013

أن يكون الحب سورياً

 السبئي نت بقلم د. خلود خير بك ورية .. حكاية العشق الأقدم في تاريخ هذا الكون ، وهي قصة الحب الوحيدة التي لا تحتاج إلى براهين .. ولا سيما حين يكون هذا الوطن كريم وطيب ، كما هو دائماً .حكاية الحب ، كما تولد في الوطن ، تبدأ مع ا
لطفلة الصغيرة ، أنا ، منذ لحظات الدفء الأولى التي كانت تجمع أبناء حيّنا ...حينها لم تكن لهفة أبناء الحي ، تنتظر عثرات حال الحي لتعلن عن نفسها ، ولكن كانت تبدو أكثر صدقاً وعفوية كلما اشتد الحال ، وصعب ..
على نحو سيتقاسم أهل الحي وجع المصيبة ، تماماً كما يتقاسمون خبز السعادة والهناء فيه .حينها كان الحب بسيطا وعفويا لا يحتاج للكلام المنمق وربما كانت تختصره ابتسامة طيبة ترتسم على ثغر طيب لأصغر أبناء الحي .ومشت سنوات العمر ، كبرت الطفلة ، أنا ، كبر الحي معها ، صار أحياءً متعددة ، سرعان ما أعلنت عن نفسها مدينة واسعة انتشر في شوارعها أبناء الحي القديم ، وضاعت عناوينهم بين امتدادات المدينة ، التي اختارت أن تمد أعناقها عالياً بعد أن ضاقت الأرض بامتدادها أفقياً ..وحده الحب ، في سورية ظل أميناً ودافئاً ، كما كان في الحي القديم ، ينثره أبناء حينا كل على طريقته ، ابتسامة هنا وابتسامة هناك ..

ورغم أن الحياة باتت أشد قسوة بطلباتها ومتطلباتها ، ورغم ما حمله اسمنت البيوت من برودة ، ظل الحب يتعربش على إفريز النوافذ معلناً الوطن عاصمة للحب .. يتعربش على نبض قلوب أبنائه .ربما علاه قليلاً من غبار المدينة فلم نعد نلمحه حاراً ، ربما حال تلوث السماء من وضوح الرؤية فبدت صورته ضبابية ، ربما علا صوت الزحام على همسه الجميل ، وربما هو الجري خلف لقمة العيال ، وربما ..

لكن الحب بقي في سورية ، وبقيت دمشق عاصمة لهذا الحب .وحين يملأ الحب مساحة الحياة ، يصير على المرء لزاما أن يمرن قلبه على الحب الكبير ، ليذهب في التفاصيل الصغيرة للوطن : طفل يلهو في حديقة لا يداهمه فيها تهور سائق ، مقعد في الحديقة ذاتها يلفه الهدوء ، ورجل على المقعد ذاته يأخذ من الحديقة عبيرها دون أن يعكر صفوه رائحة المازوت المحروق ... وعاشقان يتظللان بقيء شجرة قريباً منه ، يتبرعم الحب بينهما ولداً ، يصير شاباً يتعلم الحب مع دروس القراءة والحساب ، يكبر ليقف في صف العشاق .. حباً .وحين يكون الحب سوريا ً ، يصير على المرء لزاماً أن يمرن قلبه على لغة العطاء ، فوطن يمنح لساكنه الحياة ، كما سورية ، يستحق هو الآخر أن يمنحه سكانه الخلود ، على أبوابه يعيدون سيرة الحب كما كان في حيّنا القديم طيباً وعفوياً وبسيطاً ..

ويحيون أعراس الحياة في أخضر أشجاره ، وأبيض قلوب أهله ..ولأن العشق سوريا ، فيستحق الوطن أن يتدثر بحبنا ، وقد سبقنا ودثرتنا بدفء الحب .. يستحق أن نحفظه ، وقد حفظ ملامح وجوهنا على مدار آلاف السنين ..إنها دعوة للعودة إليه ، وما أجمل العودة لحضن من نحب.
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: أن يكون الحب سورياً Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً