السبئي- بقلم : مصطفى قطبي :يتطلب الواقع العربي الراهن كثيراً من المراجعة وإعادة القراءة والتروي في إطلاق الأحكام، ولاسيما أن المجتمع العربي يعيش نكوصاً يرتد خلاله إلى الوراء في تراجع مستويات الوعي والانتماء والصمود في وجه التحالف الامبريالي الرجعي، وهو واقع كثُر فيه الارتهان والارتزاق وشراء الذمم بالبترودولار على عدة مستويات. وعلى مستوى الأزمة في سورية يخطئ من يظن أن المسألة مسألة إصلاح وديمقراطية وتداول للسلطة، فالمسألة أكبر من هذا وأبعد وأعمق، وهي تقترن بطول أمد الصراع مع سورية، وبالاجتهاد المعادي منذ زمن بعيد لتحويله إلى صراع عليها وفيها. وهذا بالتأكيد لا يغيب عن إدراك بعض النخب التي تحولت إلى مرتزقة.
من المؤسف أن الأمم المتحدة لم تعد تبحث كما ينبغي في حل مشكلات العالم المتفاقمة بدءاً بالفقر والأمية والأوبئة والأمراض وصولاً إلى البطالة والتصحر والاحتباس الحراري، بعد أن أصرّ ممثلو بعض الدول الغربية والعربية على تحويلها إلى حفلة تكاذب أممية بشأن الأزمة السورية، حيث أصبحت تناقش الأزمة بصورة اعتباطية يغلب عليها الطابع التضليلي والتحريضي ويميزها كم هائل من الكذب والافتراء وتزوير الواقع في تحد صارخ وسافر لمشاعر الشعب السوري وللمهمة التي كلف بها المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي.
واجتماعات التآمر لا تخلو من المفارقات المضحكة حيناً والمقززة حيناً آخر، لدرجة أن بعض المتآمرين أصبحوا أشبه بـ'العاهرة التي تحاضر في العفة'، حيث يتبارى أطراف المؤامرة ضد سورية من 'ذئاب وأفاعي' الغرب الاستعماري مروراً بـ 'إبل وصعاليك' الصحراء والخليج وصولاً إلى أحفاد مبتكري 'الخازوق' من العثمانيين الجدد في النيل من سورية وقيادتها، وقد بدت الغايات والنوايا على درجة عالية من التطابق فيما بينهم، ليتضح بصورة لا لبس بها أن المطلوب في هذه المرحلة هو إطالة أمد الأزمة وتأجيج الصراع إلى حدوده القصوى بهدف إضعاف سورية ومعاقبة شعبها إرضاء لأصحاب المشروع الصهيوني، وقطع الطريق أمام مهمة الإبراهيمي، وضرب المساعي الحميدة التي يبذلها بعض أصدقاء سورية لحل الأزمة بالاستناد إلى وثيقة جنيف.
فكيف يستقيم طلب وقف العنف في سورية مع الإصرار على دعم وتسليح المرتزقة والإرهابيين القادمين من أجل القتل والتخريب...؟ وكيف تستقيم الدعوة لحل سلمي للأزمة مع الدعوة لتدخل عسكري أجنبي يفرض أمراً واقعاً لصالح طرف دون آخر...؟!
وفي خضم كل المؤامرات، قد ينسى الكثيرون، أو يتناسون أن هيئة الأمم المتحدة، وسائر متفرعاتها في العالم، كانت، في حقيقة الأمر، منذ أن كانت، وبالاً على العالمين العربي والإسلامي. وهل يفوتنا، نحن العرب، أن نتذكر أن باكورة أعمالها كانت قراراً، لا سابق له ولا لاحق له، إذ كان قرار تقسيم فلسطين؟ ترى، هل هذا الأمر الخطير، بل البالغ الخطورة، كان مصادفةً أم مؤشراً؟ وهل يخطئ الظن مَنْ يستنتج، في ضوء أحداث الستين عاماً المنصرمة، أن هذا القرار لم يكن البتة وليد الساعة، بل كان منذ اللحظة الأولى حتى اليوم، مع جميع ما خُطّط له، من أجل تمزيق سورية، بدءاً من 'مفاوضات ماك ماهون ـ الشريف الحسين' ـ تلك المفاوضات، 'المؤسسة' كما قيل، للثورة العربية الكبرى! ـ وما تلاها من 'وعد بلفور'... 'البريء'، إلى 'فرض الانتداب' بقوة السلاح على سورية وفلسطين، إلى تقسيم سورية إلى أربع دويلات طائفية، مع اقتطاع لبنان بوصفه قنبلةً موقوتة من الدويلات الطائفية المرجوة، ومن ثم إلى سلخ لواء الاسكندرون، فإحداث المملكة الأردنية الهاشمية؟... هل يخطئ الظن أيضاً من يجزم بأن كل ذلك قد خُطط له منذ زمان بعيد دفعة واحدة، ووفق برنامج محتوم، رسم له أن ينفذ على مراحل، فيما هو يشكل مشروعاً استعمارياً، مزدوجاً، صهيونياً وأوروبياً، واحداً، كفيلاً، على المدى البعيد، في حال تنفيذه، بتفكيك سورية أولاً، ومن ثم العالم العربي، بقصد توفير جميع الفرص القادرة على تحقيق النجاح والديمومة لإسرائيل...؟
فإن كانت هيئة الأمم المتحدة منظمة دولية حقاً، فيجب عليها أن تكون أنظمتها نافذة وشاملة لجميع الدول، كبيرتها وصغيرتها، قديمتها وحديثتها. والحال أن هناك من الدول من لا تخضع لقوانينها، ومن تخرق قوانينها، بل من تضع مسؤوليها وجنودها فوق جميع القوانين على الإطلاق. وتلك هي حال الولايات المتحدة. ومن الدول أيضاً، مثل إسرائيل، من لا تخضع لأي من قوانينها، بل من تفلت من مئات القرارات التي تدينها صراحةً، وحتى من قرار حق العودة ذي الرقم 194 الذي وضع شرطاً أساسياً لقبولها عضواً في هيئة الأمم المتحدة، وهي تدوس كل يوم، ومنذ عشرات السنين، المعاهدات الدولية، مثل معاهدات جنيف، دون أن يجرؤ أحد في أي من المؤسسات الدولية، على مجرد معاتبتها...
وهكذا نرى أن الجمعية العمومية التي تمثل حقاً مصالح المجتمع الدولي ككل، مجردة من القدرة على اتخاذ قرارات فاعلة، وتحتل موقعاً ثانوياً بالقياس إلى مجلس الأمن. أما القوة الفعلية في المنظمة الدولية فمتركزة في مجلس الأمن الدولي الذي يضم 15 دولة، منهم خمس دول دائمة العضوية، هي الصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والقرارات في مجلس الأمن الدولي تتخذ بأغلبية تسعة أصوات، على ألا تعترض على هذه القرارات الدول دائمة العضوية، وبهذا فإن الدول الخمس الكبرى هي التي تلعب الدور المحوري في هيئة الأمم المتحدة، وعملياً هي التي تتخذ جميع القرارات التي تصدر بإسم المجتمع الدولي، وتطبق على صعيد الواقع وتصبح ملزمة التطبيق من قبل جميع دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة، وهذا ما تنص عليه المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة: 'جميع أعضاء الأمم المتحدة تخضع لقرارات مجلس الأمن الدولي وملزمة بتطبيقها حسب المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة'، لكن المفارقة أن هذه المادة كان يجري تجاهلها تماماً إذا تعارضت مع 'مصالح الكيان الصهيوني'، ما يؤكد أن مجلس الأمن الدولي يتخذ القرارات التي تناسب مصالح الدول الكبرى لاسيما الغربية منها، أما الدول العشر الأخرى غير دائمة العضوية، فغالباً ما تجد نفسها مضطرة إلى مسايرة الكبار، بقناعة أو بلا قناعة، وقد استغلت الدول الغربية الكبرى ما منحه ميثاق الأمم المتحدة لها، لتجيّر مجلس الأمن والمنظمة الدولية لمصالحها ولتستخدمه مطية لتحقيق هذه المصالح، فراحت تفرض حصاراً وتشن حروباً وتغزو بلداناً مستقلة وذات سيادة وأعضاء في هيئة الأمم المتحدة 'العراق أفغانستان'، وتعاقب من تشاء، بحق أو بلا حق، وتؤمن التغطية لمعتد وغاصب، فهي تمنع إدانة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية، وتشل المنظمة الدولية عن اتخاذ قرار فاعل ضد الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية على الشعب الفلسطيني.
وفي الموضوع السوري يقال إن المجتمع الدولي يعرب عن قلقه إزاء الوضع في سورية ويدعو السلطات السورية إلى توسيع الحريات ونشر الديمقراطية، ويتم تجاهل الخطوات الإصلاحية العديدة التي اتخذتها القيادة السورية ودعوتها المعارضة للانخراط في حوار بنّاء لإنهاء الأزمة وتحديد توجهات البلد المستقبلية على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتحدث الولايات المتحدة على لسان الرئيس 'باراك أوباما' ووزيرة خارجيته 'هيلاري كلينتون'، وكذلك قادة الدول الغربية، عما يسمونه 'عمليات الجيش السوري ضد المدنيين'، ويدعون المجتمع الدولي إلى اتخاذ المزيد من العقوبات ضد سورية، وقد تقدمت هذه الدول بعدة مشاريع إلى مجلس الأمن الدولي، ولولا معارضة روسيا والصين واستخدامهما حقهما في الفيتو لكانت اتخذت هذه القرارات وجرى استخدامها للتدخل في سورية، كما حصل في ليبيا، بإسم المجتمع الدولي، فيما هذه الدول لا تحرك ساكناً إزاء قمع المتظاهرين السلميين في البحرين والمملكة العربية السعودية ولا يدعون إلى التدخل فيهما لنشر الديمقراطية، الأمر الذي يؤكد أن الدول الغربية لا ترى في مؤسسات الأمم المتحدة إلا وسيلة لخدمة مصالحها وسياساتها، وتصر على استصدار القرارات في مجلس الأمن الدولي ضد الأنظمة التي تعارض مخططات الهيمنة التي تحاول فرضها على الشعوب، فيما تحمي الأنظمة التي وضعت نفسها في خدمة سياساتها.
وكل ذلك يتم بإسم المجتمع الدولي الذي هو في الواقع مجرد من أي فعل، وكل ما يستطيعه تقديم توصيات في الجمعية العمومية، غالباً ما تجد طريقها إلى الإهمال، وحتى في مجلس الأمن، فإن الدول العشر غير دائمة العضوية لا تستطيع فرض قرار، حتى لو اتفقت على ذلك، لأن الفيتو سيكون حاضراً لإجهاضه.
والمدقق في الأزمة السورية، يلاحظ أن المواجهة بين سورية والمجتمع الدولي ليست طارئة، بل مقترنة بسياسات ظالمة للقضايا الوطنية وللحقوق العربية، وبازدواجية المعايير. وهذه المواجهة تركة تاريخية مشبعة بمبادئ وثوابت سياسية واجتماعية واقتصادية تتمثل في صمود سورية ومقاومتها تحويل التناقض الرئيسي مع الكيان الصهيوني إلى تناقض ثانوي مستبدل بتناقضات عربية عربية، ومذهبية وعرقية... تتحطم خلالها الوحدة الوطنية والمجتمعية، والوفاق الداخلي والحوار الوطني، وتغيب معها حتى الشعارات المعادية للصهيونية والاستعمار والرجعية، لتحلَّ مكانها شعارات ومناهج عمل تستدعي هذا الحضور المعادي وأدواته المرتزقة من خونة الأمة والأوطان، فتظهر إسرائيل معهم حملاً وديعاً يستجديها هؤلاء خفية وجهاراً.
وفي هذا السياق يتم تركيز المجتمع الدولي على الأوضاع في سورية بشكل مكثف، بسبب دور سورية التاريخي والفاعل في صياغة المنظومة الإقليمية والدولية تجاه الأوضاع في المنطقة، وقدرتها المستمرة جيوسياسياً واستراتيجياً على تحطيم عدد من المشاريع المضادة للمصالح الوطنية والعربية، ما يجعل الأزمة الراهنة فيها نواة لوضع إقليمي ودولي جديد، يتحقق خلاله اصطفاف مغاير ومفاجئ للأطراف المتسرعة في اللعبة. وفي مطلق الأحوال يبقى القرار الوطني السوري هو الأهم لاستناده على تماسك الشعب والجيش ودولة المؤسسات. ولذلك ينهض اليوم تساؤل إقليمي ودولي مهم حول ضرورة البحث في العمل بعد نجاح سورية في تجاوز الأزمة، وفي مآل الاصطفافات والارتهانات المريضة التي بدأت تعاني منها بشكل بارز دول مثل تركيا وقطر والسعودية التي تعمل منذ زمن وفق توجه إمبريالي على إطالة أمد الصراع داخل دول المنطقة، والإفادة منه في تفكيك البنى المجتمعية والفكرية والروحية العربية والإسلامية، وإضعاف الدولة والمجتمع، وهي إطالة تكشف تورطاً رسمياً مخزياً بدأ يفرزه ويندّد به وعي شعبي عربي ودولي متزايد.
وهذا يعني أن الهيئة الدولية تم تشكيلها على أساس القوة وليس وفقاً للمساواة والعدالة، وهذا ما تعكسه هيكلية المنظمة الدولية والصلاحيات الممنوحة لهيئاتها، لقد كثرت في الآونة الأخيرة الأصوات التي تطالب بإعادة هيكلة المنظمة الدولية وإعادة توزيع صلاحياتها باعتبارها لم تعد تصلح لتسيير شؤون العالم وحل مشكلاته المتزايدة، وغير قادرة على تحقيق العدالة الدولية والمبادىء الإنسانية وأصبحت تستخدم للضغط على الدول التي تتبع سياسة مستقلة تتعارض مع مصالح الكبار ولتمرير سياساتهم في السيطرة ونهب ثروات الدول، لقد أنشئت عصبة الأمم قبل هيئة الأمم المتحدة لتقوم بوظيفة الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين ولكن فشلها بالقيام بالوظيفة المنوطة بسبب سيطرة الكبار عليها أوصلها إلى نهايتها المحتومة، إن الأزمة التي تضرب الأمم المتحدة الآن بسبب سيطرة الولايات المتحدة وتسخيرها لخدمة مصالحها التي تتعارض مع مصالح أغلبية دول العالم تستلزم إعادة هيكلتها من جديد وإعادتها إلى القيم التي أنشئت لأجلها لتعبر تعبيراً صادقاً عن إرادة المجتمع الدولي.
ذلك بأن الولايات المتحدة باتت، مع الغرب كله، مطية في يد الصهيونية، إذ هي تقود هذه القوى الغربية الهائلة، صاغرةً، إلى استباحة العالم بأسره، ولاسيما العالمين العربي والإسلامي، فتدمر وتقتل وتشرد وتعتقل وتعذب، وتنهب خيرات الشعوب، تحت ألف غطاء وغطاء، ولاسيما غطاء الديمقراطية والحرية.
أو ليس هذا بعينه ما فعلته وتفعله في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان وليبيا؟ أوليس هذا أيضاً ما تحاول أن تفعله في سورية، بعد أن أشعلت في تونس ومصر والبحرين واليمن، ما سمّته 'الربيع العربي'؟ أوليس هذا بالذات ما كانت الصهيونية قد أعلنت عنه في السر منذ عام 1954، على لسان 'بن غوريون'، ومن ثم على الملأ، عام 1982، في عدد شباط من مجلة 'كيفونيم' الإسرائيلية، الصادرة في القدس، حيث أكدت ضرورة تفتيت العالم العربي كله إلى دويلات إثنية وطائفية ومذهبية وقبلية، متناحرة، لا قِبَل لها بالحياة، ولا بالتحضّر ولا بالتطوّر؟ وهل هناك ما هو أسهل من ذلك، بعد أن أطبقت الصهيونية على خناق الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية كلها، حتى بات العديد من كبار المثقفين فيها، مثل 'روجيه غارودي' الفرنسي، و'جان زيغلر' السويسري، والأميركيين 'نعوم تشومسكي' و'بول فيندلي' و'جون ميرشايمر' و'ستيفن والت' و'فرانكلين لامب'، يحذرون من الكارثة الواقعة والآتية، ويدعون إلى ضرورة التحرر عالمياً من الفخ الصهيوني والأميركي؟
أمّا... وقد جاء يوم انساق فيه معظم 'الزعماء' العرب، وفي ركابهم ما يسمى الجامعة العربية، مع هذا الطوفان الصهيوني والغربي، الخارج على كل أخلاق وقانون وحدود، فقد بات لزاماً على من تبقى لديهم، أي زعماء العالم وشعوب الأرض، بقية من عقل ووجدان وخوف على المصير البشري، أن يتطارحوا السؤال، بإلحاح وجدية، عن جدوى استمرار مثل هذه المؤسسات، بل عن شرعيتها... أوليس هذا ما انتهى إليه 'زعماء' العالم الغربي اليوم، مثل 'أوباما' و'هولاند' و'ميركل' و'كامرون'... الذين يتصرفون بين ليلة وضحاها، وكأنهم مهرجون في سيرك، يطلقون الوعود، ولا ينفذون منها حرفاً واحداً، ويقبّلون أيدي يسارعون إلى قتل أصحابها، ينادون بالحرية، فيما هم يشوون الشعوب بقنابلهم الجديدة... كل ذلك أملاً منهم في توفير مزيد من رفاهية لشعوبهم، تعود عليهم بالبقاء في كراسيهم لفترة ما... وبكسب رضا سيدتهم الحقيقية والكبرى، إسرائيل، على ما ارتكبت وترتكب من فظاعات يومية، منذ ستين عاماً في البحر والبر والجو، تحت ذريعة حق الدفاع عن ذاتها، فيما هي تبوّل أمام العالم بأسره، منذ ظهورها على مسرح التاريخ، على جميع الأنظمة والقوانين والمعاهدات، وعلى من سنّ هذه الأنظمة والقوانين والمعاهدات، من مسؤولين وحقوقيين ومفكرين غربيين!...
وللأسف الشديد وفي كثير من الأحيان أصبحت الأمم المتحدة تستخدم كغطاء لتبرير شن الحروب كما حدث عام2001 عندما شرعنت المنظمة الدولية غزو أفغانستان في الوقت، الذي يقع على عاتقها مسؤولية منع الحروب وفض النزاعات وحفظ الأمن والسلم الدوليين، وهذا السيناريو تكرر خلال العام الجاري عندما استغلت واشنطن وبعض حليفاتها الغربيات الأزمة الليبية لتشكيل تحالف استعماري من بوابة مجلس الأمن لضرب ليبيا تحت ذريعة حماية المدنيين الذين قتل منهم حلف الناتو أضعاف ما كان متوقعاً أن يقتل لو قام الليبيون بحل أزمتهم بأنفسهم.
وفي أحيان أخرى لا تتحرج واشنطن في الخروج على الشرعية الدولية وعلى الأمم المتحدة إذا ما وجدت معارضة دولية لطموحاتها الاستعمارية في مجلس الأمن كما جرى في العراق عام 2003 عندما قامت بالاشتراك مع بريطانيا بغزو العراق، وكلنا يتذكر أن قرار الغزو جاء رغماً عن مجلس الأمن، ومع ذلك استخدم المجلس في وقت لاحق لإعطاء الشرعية للغزو الأميركي للعراق بأثر رجعي حين تعامل معه كأمر واقع ليعيد ترتيب الأدوار في العراق بما يسمح للاحتلال بلعب دور أوسع في الشأن العراقي، ولم يتعامل المجلس مع الغزو كجريمة عدوان يحاسب القانون الدولي مرتكبيها، الأمر الذي أفقد هذا المجلس هيبته ومصداقيته وشرعيته، كونه غطى جريمة جديدة لبوش بدلا من أن يمنع تكرارها، فأصبح حاله كحال الجمعية العمومية.. قرارات لاتساوي ثمن الحبر الذي تكتب به.
أمام هذا الخلل الكبير في المنظومة السياسية الكبرى بالعالم والتي أصبحت لا تجدي بخاصة مع استمرار ظلم الدول الصغرى والنامية الأكثر عدداً من الدول الكبرى الأقل عدداً. لابد أن تمتد ثورات الربيع للشعوب للمنظمة الدولية ولباقي المنظمات الإقليمية للتحول من رعايتها للحكام إلى الدفاع عن مصالح الشعوب التي تقف عاجزة أمام مساعدتهم في تحقيق أبسط مطالبهم المشروعة من حكامها الديكتاتوريين الطغاة والتابعين لأمريكا ولإسرائيل. المؤكد أن القضايا العربية المرحّلة للمجتمع الدولي متعددة ومتشابكة من الأزمة السورية الحالية، إلى تداعيات الغزو الأمريكى للعراق عام 2003 إلى الآن واستمرار الخلافات السياسية والتي قد تحقق أهداف الآخر في تقسيم بلاد الرافدين إلى ثلاث دويلات شيعية وسنية وكردية في البداية، ومن العراق إلى ثاني الدول العربية الكبرى المنقسمة السودان التي لم تكتف الدول الكبرى بانقسامها إلى دولة جنوبية نفطية وشمال يصارع من استعادة الثروة النفطية وحروبه المستمرة مع ثوار دارفور وجنوب كردفان وجبال النوبة وجميعها تهدد أيضاً بانقسام السودان إلى خمس دويلات وأكثر، في الأوضاع في دول الربيع العربى، لا تختلف كثيراً من أولى دول الربيع تونس التي تشهد موجات من الشد والجذب بين أركان الحكم التعددية والسلفيين المتشددين، وفي مصر الثورة الصراعات مستمرة بين أركان الدولة الدينية والمدنية، واليمن ثالث دول الربيع لم تهدأ معاركها والتي تقودها الخلايا النشطة لتنظيم القاعدة وصراعات القبائل. ورغم ذلك فإن الأوضاع لا تختلف كثيرا في العديد من الدول العربية المهددة بتحقيق مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق 'هنرى كيسنجر' بعد انتهاء حرب أكتوبر بأن الحروب القادمة في المنطقة ستكون عربية إلى جانب ما يخطط لها من أن تكون حرب مدمرة بين المسلمين الشيعة والسنة تشعلها إسرائيل بالموافقة الأمريكية.
هذه المخاطر التي تحيط بنا جميعاً من المحيط للخليج ألا تتطلب من كل شعوب وشرفاء وأحرار العالم، التحرك واستصراخ ضمير دول العالم المحبة للسلام لوقف الأخطار المحيطة بنا والقادمة بطرق وأساليب عملية بعيداً عن الخطب الحماسية التي أصبحت لا تغني ولا تسمن من جوع في عالم تحكمه المصالح وهو ما يدعونا للدعوة من أجل إصلاح النظام الدولي وفي مقدمته الأمم المتحدة للعمل من أجل حماية الشعوب ومصالحها وبخاصة في الدول النامية والفقيرة.
إني، بكل بساطة، أدعو لعملين ملحين: الأول: هو دعوة العقلاء من حكام ومثقفين وعلماء وباحثين وأناس عاديين، في كل مكان، لحشد جهودهم وتصعيدها، بقصد المطالبة العاجلة بإعادة النظر في المؤسسات الدولية القائمة، مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان ومتفرعاتها، لأنها بلغت من الانحياز والظلم والفساد والجبانة والكذب والتزوير، ما يجعلها هي المسؤولة الأولى عن تفاقم الشرور والمظالم في العالم. ولا بد من البحث عن أساليب فعالة لحجب الثقة عنها، وإلغائها، من أجل إحلال مؤسسات جديدة ونظيفة بدلاً منها. الثاني: هو دعوتي لجميع الكتاب والمفكرين الشرفاء ولرجال الدين الأتقياء، لوقفة جريئة وصادقة مع الشعوب العربية والإسلامية المظلومة، ولاسيما الشعب الفلسطيني، من أجل مطالبة قادة العرب بالخروج عن صمتهم المخجل حيال ما ترتكبه دول الغرب من مظالم مروعة بحق شعوب برمتها، ومن أجل إدانتها علناً وتكراراً، ومن أجل تحريض الرأي العام الغربي عليها من دون هوادة، وذلك قبل استفحال خطر قد يجر العالم كله إلى الهاوية... وإني لأرى أن هذين الموقفين الجذريين لا بديل عنهما.
