السبئي-بقلم -كفاح نصر - لا يخفى على أحد أن التصعيد ضد سورية وصل الذروة على الأرض، فالحدود مشتعلة بكاملها بما فيها التي تؤذي تركيا، وتمّ تخريب معظم إمدادات الطاقة في حلب حتى أصبحت تعيش حالة يمكن وصفها بالمأساوية، والقتال مستعر في محيط ريف دمشق وعلى مداخلها، والورقة الوحيدة التي لم تقم بها واشنطن هي ارتكاب مذابح طائفية يمكن أن تعتبر الخط الأحمر لدى سورية وحلفاء سورية.
عن التدخل العسكري المباشر
ربما سورية ليست قوة عظمى، ولكن منظومة الردع لديها مرعبة بسبب موقعها الجيوسياسي، فعشرة صواريخ ثقيلة باتجاه الكيان الصهيوني كفيلة بتحميل الكيان عبء ما حملته سورية خلال عشرين شهراً من الأزمة، أما منظومة الدفاع الجوي فرغم كل الأضرار التي لحقت بها ولكنها قادرة على تحويل سماء سورية إلى جحيم لا يطاق لأي قوات معادية، ومنظومة الدفاع البحري قادرة على الأقل على إغراق وتدمير أسطولين معاديين في مجال ما بين 300 إلى 400 كيلومتر من السواحل السورية، وبالتالي الحديث عن عملية حرب معلنة ضد سورية من قبل (الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والأردن وتركيا) من الناحية العملية شبه مستحيل في حال دخلت سورية الحرب وحيدة دون حلفائها، ولكن مع إعلان الحرب المباشرة على سورية فهناك صراع سيلتهم المنطقة التي لا يمكنها دفع ثمنه العسكري والإعلامي والسياسي، ومهما كانت نتائج التدخل المباشر العسكرية فإن المشروع الأمريكي الصهيوني سيسقط سقوطاً قاتلاً، ولهذا لا يمكن الحديث عن أي عمل عسكري مباشر ضد سورية.
التدخل العسكري غير المباشر
لا يمكن إنكار أن ما يحدث في سورية منذ ما يزيد عن عشرين شهراً بأنه تدخل عسكري غير مباشر، فالحلف القائم ضد سورية معلن وغير سري، والحدود السورية المشتعلة أكبر دليل على أن ما يحدث ليس إلا حرباً بالوكالة يقوم بها تنظيم القاعدة ضد سورية نيابة عن الناتو، ولا يختلف دخول المقاتلين الأجانب عن دخول قوات من الناتو في الصراع، علماً بأن قوات الناتو تعمل بشكل سري وهي من يدير الصراع، بل وقبض على بعض منهم في سورية، ويبقى السؤال: ماذا عن التصعيد السياسي العسكري الخارجي الذي يوحي ببدء حرب قادمة؟.
السلاح الكيمياوي السوري
ليست المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن الأسلحة الكيماوية السورية من قبل واشنطن والببغاوات الأمريكية، علماً بأن هذه الأسلحة ليست إلا عامل ردع ضد السلاح النووي الإسرائيلي، واستعمالها شبه مستحيل حتى في حال قيام حرب مع الناتو لأنها عنصر ردع وليست عنصر هجوم، وهذه الترسانة تمنع الصهيوني من مجرد التفكير بمهاجمة سورية نووياً، لأن مثل هكذا نزاع ربما سيكبد سورية خسائر كارثية، ولكن سيكلف الكيان الغاصب وجوده، فلمجرد سقوط قنبلة نووية إسرائيلية في سورية، سيدمر في الكيان سبعة مفاعلات نووية وتضرب مئات الصواريخ الكيماوية على كامل المستوطنات والمدن الصهيونية، ولهذا الحديث عن السلاح الكيماوي السوري نسبة لما سبق، ليس لأن سورية بصدد استعماله من جهة بل من المستبعد استعماله حتى في الحرب، ومن جهة ثانية ليس مقدمة تدخل عسكري، فما هو مخطط الأمريكي؟.
العمليات على الأرض تشير إلى الهدف
منذ بدء الأزمة لم تهاجم عصابات تنظيم القاعدة أي قواعد للجيش العربي السوري، بل كانت تكتفي باستهداف المدنيين والمراكز الأمنية، ولكن اختلف الأمر خلال الشهرين الماضيين، وبشكل خاص خلال الشهر الماضي، والقطعات العسكرية التي تم استهدافها لقوات المشاة غالبها لا علاقة له بالأحداث القائمة سوى موقع هذه القطعات العسكرية الإستراتيجي، وخصوصاً الهجمات التي شملت اللواء 112 و61 والفوج 46، واستهداف لبعض قطعات الدفاع الجوي التي وظيفتها الرصد بشكل أساسي، وليس القطعات الدفاعية، ويتزامن الهجوم على هذه القطعات مع محاولات للسيطرة على مداخل دمشق وإشغال قوات التدخل السريع على أطراف العاصمة، وكذلك بالتزامن مع الحديث عن تشكيل لواء للهجمات الكيماوية لعصابات تنظيم القاعدة، وبالتالي الأمريكي يخطط لارتكاب مذابح طائفية وإشعال عدة مناطق ومنع الجيش العربي السوري من التدخل في هذه المناطق، وكنت سابقاً كتبت أن أي صراع بمثل هذه الصراع ستعتبره سورية وحلفاؤها بمثابة إعلان حرب مباشرة ولن يسمح السوري باشتعال حروب طائفية من شأنها تهديد وحدة الجيش العربي السوري، والأمريكي أعلن صراحة أن محاولة حصر القيادة السورية قد تدفعها لضرب الجوار وبالتحديد الصهيوني حين يصبح هناك خطر على وجود سورية، ووحدة جيشها.
هل الأمريكي جاد..؟
كشف العدوان الصهيوني على غزة بأن الكيان العبري لازال يعاني من ثغرات قاتلة، وهو ما دفع الناتو لنشر صواريخ باتريوت في تركيا بهدف تأمين مظلة جديدة للكيان الصهيوني من جهة، وكذلك من جهة ثانية إعلان واشنطن عن نيتها بناء تحصينات للمؤسسات الحساسة في تل أبيب التي أخرجت عن الخدمة إبان العدوان الصهيوني على غزة، وبالتالي حين تفكر واشنطن بحرق سورية طائفياً على أمل تفكيك الجيش، وجب عليها أولاً الانتهاء من سد الثغرات التي ظهرت في الكيان الصهيوني إبان العدوان على غزة، وهذا يتطلّب بأقل تقدير شهرين وبعض الأمور تحتاج إلى أكثر من ستة شهور، وهنا يمكن أن نسأل: إذا كان الأمريكي بحاجة شهرين على الأقل وربما ثلاثة شهور ليتمكن من حماية الكيان الصهيوني من أي رد فعل سوري على محاولة حرق سورية، فلماذا دفع بالعصابات إلى أطراف دمشق ومنح الجيش العربي السوري فرصة القضاء عليها، هل هذا يعني التلويح بهذا الخيار للتفاوض أم أن الأمريكي معنيّ بتدمير ما يمكن تدميره في سورية قبل الوصول إلى حل سياسي، وهل هذا يشير إلى أن واشنطن ليست بصدد حرق سورية بل بصدد الانتقام منها ومنعها من الاحتفال بأي انتصار متوقع.
التدابير السورية
مع بداية الأزمة صرح الرئيس الأسد قائلاً: إذا فرضت علينا الحرب اليوم فأهلاً بها، وفي آخر خطاباته لم يقل مطلقاً بأن نهاية الأزمة قريبة بل أكد أنها تحتاج إلى وقت وهذا ما يشير إلى أن الرئيس الأسد بشكل دبلوماسي أبلغ الأمريكي بأن القتال حتى النصر مهما اشتد ولا تتوقعوا أن تستسلم سورية وترضخ للإملاءات الصهيونية والأمريكية، والأمريكي من خلال ما قام به خلال الشهر الماضي يدرك تماماً أن سورية اتخذت خططاً مسبقة لكل تطور ولن ترضخ لأي محاولات في تشتيت المعركة مهما كان الضخ الإعلامي، ونتائج ما قامت به واشنطن أثبت بأن سورية جاهزة لكل تطور ميداني مهما كان حجمه رغم أنها للساعة لم تستعمل الأسلحة الموجهة للخارج من طائرات السوخوي 27 مثلاً أو الصواريخ المتوسطة أو الدبابات القتالية ورغم طول الأزمة لازالت تمتلك قدراتها ولم يستنزف الجيش أي شيء من ذخيرته القتالية، بل حتى صفحات تنظيم القاعدة تعترف بأن الطائرات حين تضرب أهدافاً للعصابات المسلحة تستعمل براميل من متفجرات مصنعة محلياً من قبل العصابات تمّت مصادرتها من قبل الجيش، فالقنابل المخصّصة لدك إسرائيل لازالت كما هي، وتطورات الأسابيع الماضية أكدت أنه رغم دفع ما يقارب من خمسين ألف مقاتل إلى أطراف دمشق لم تتمكن العصابات من فرض واقع يمنع الجيش العربي السوري من الحركة، وفي المناطق الحساسة حيث تمت مهاجمة قطعات عسكرية أساسية لم تنتج المعارك أي تغيير في الواقع الميداني، وبالتالي المخطط الأمريكي محكوم بالفشل مسبقاً، ولكن في حال قررت واشنطن المقامرة، فهي تدرك جيداً أن هناك في سورية وخلف سورية من يتمنى أن تقامر الولايات المتحدة بل وبعض حلفاء سورية كذلك أعربوا عن تمنيهم أن تقامر الولايات المتحدة وتمنحهم فرصة تغيير موازين القوى في المنطقة للأبد.
للحديث تتمة..
رغم أن المؤشرات تشير إلى أن ما يجري ليس إلا ضمن التفاوض لحل سياسي، ولكن لا يمكن التكهن بالفعل الأمريكي الذي ينازع بسبب أزماته حول العالم وأزماته الداخلية، فضلاً عن تداعيات انتصار سورية على المنطقة، ومن المؤكد أن نتائج ما حصل خلال أسبوع في ريف دمشق تؤكد أن محاولة إشعال سورية ليست مقامرة بل انتحاراً بما تعنيه الكلمة، فهل سينتحر الأمريكي في المنطقة؟؟!!.
