السبئي-بقلم -
عبد الرازق أحمد الشاعر:
بعد إقامته بالولايات المتحدة لسنوات، قرر عالم الرياضيات الشهير كيرت جوديل أن يتقدم بطلب للحصول على الجنسية الأمريكية.
وأرفق طلبه ببيانات سيرته الذاتية، وشهد شاهدان من أهل البلاد أن كيرت نمساوي النشأة ألماني الجنسية كهتلر وأن بيانات سيرته الذاتية صحيحة. ولم يتبق أمام الرجل إلا أن يجتاز مقابلة شخصية ليجيب عن بعض الأسئلة المتعلقة بالدستور الأمريكي. إلا أن أينشتين أحد الموقعين على صحة البيانات كان يراها مقابلة كارثية بكل المقاييس.
فقد اتصل جوديل بالكفيل الثاني ليلة المقابلة ليخبره أنه قرأ الدستور جيدا ووجد به ثغرة منطقية من شأنها أن تسكن البيت الأبيض ديكتاتورا ذات استغلال. عندها أوصاه مورجنستيرن بألا يناقش تلك الثغرة مع أعضاء اللجنة تحت أي ظرف.
وفي الصباح، التقى الكفيلان في بيت صديقهما، وحثا الرجل على عقص لسانه من مؤخرته حتى لا يخوض فيما لا شأن له به، وتبادلا معه النكات وقصا عليه القصص حتى يشتتا انتباهه عن فكرته الرعناء.
سمح القاضي لرفقة الرجل بمصاحبته إلى قاعة المقابلة، وطرح سيلا من الأسئلة على الرجل الذي أجاب ببراعة وتلقائية نادرة عليها جميعا إلى أن قال القاضي معلقا على جنسية صاحبنا: "لا زلت حتى اللحظة تحمل جنسية ألمانية إذن!"
انتفض جوديل محتجا: "لكنني نمساوي النشأة سيدي." فرد القاضي بهدوء: "الأمر سيان، كنت تعيش في ظل حكم استبدادي ولا تتمتع بأي قدر من الحرية. فلتحمد الرب لأنك تعيش في أمريكا، ففي هذه البلاد لا نعرف الديكتاتورية." عندها، لم يملك جوديل عقيرته، فأطلق لسانه للريح ليشنف آذان جلسائه الثلاثة بخطبة منمقة استهلها بقوله: "كلامك غير صحيح سيدي، فهناك مادة في الدستور الأمريكي تتكفل بصناعة الديكتاتور." وبعد جهد، تمكن أينشتين وصاحبه من كبح لجام الرجل الذي خرج من اللقاء رغم كل شيء بهوية جديدة.
في أمريكا، دستور يصنع الديكتاتور، وفي ألمانيا ديكتاتور صنع الدستور، وفي بلادنا، كل ما يقوله الحاكم دستور، وأغلب مواد الدستور تؤسس لإقامة ديكتاتور في كل مؤسسة وحارة وميدان. فللصحافة أكاسرتها وللإعلام المرئي أباطرته، وفي القضاء والأحزاب والنقابات وكافة الشركات مستبدون يحكمون بالهوي ولا يعترفون بالدستور إلا لتغطية مستور.
مصيبتنا أننا نضع الدساتير ونجيد صياغتها ونحكم حروفها الملفوفة المشتبكة، لكننا نتعامل معها كما نتعامل مع آيات قرآنية خلف ظهر موظف لا يتوقف أبدا عن فتح درج مكتبه الصغير أمام أيادي البسطاء كلما قصدوه في حاجة. نتعامل مع الدستور كما نتعامل مع مصاحف الزينة فوق الأسرة وفي المكتبات وخلف زجاج السيارات . فإذا قرأ أحدنا ذات يوم مادة أو مادتين من دستور بلاده، وثار وهاج في بلاط الأباطرة الصغار، وجد من يربت على كتفيه مهدئا، وسمع عشرات الأصوات المتحشرجة خلف تلال ملفاتها المهملة أنها مجرد كلمات.
الدستور في بلادنا مجرد كلمات لا تحط على حقل ولا تنزل مصنعا ولا تجلس على مقهى بلدي ذات شجار بالأسلحة البيضاء. الدستور في بلادنا يكتب ليوضع في أدراج المؤسسات الحكومية حتى تأكله الأرضة أو يغطيه تراب النسيان. لهذا، أعجب كثيرا من أناس يحتجون على مادة أو مادتين وكأن دستورنا سيمشي يوما على قدمين ليسير في الأزقة والحارات ويصافح البسطاء والمسحوقين من أبناء البلاد. ليت المتشدقين بالحريات والمدافعين عن حقوق الشعوب في الدساتير المدبجة يخففون من غلوائهم قليلا، فدستورنا لن يغير كثيرا لأن مواده المعطلة محكوم عليها بالبقاء فوق الصفحات الصفراء في مجتمع تحكمه الإعلانات الدستورية لا الدساتير.
عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات
