السبئي- المحرر السياسي: -
ينطوي إعلان أندرس فوغ راسموسن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي اليوم:" إن الحلف سيتخذ القرار بنشر صواريخ باتريوت على الحدود السورية التركية قريبا" على مفارقة سياسية وعسكرية خطيرة إذ أن قوات الناتو وميليشيات القاعدة ستكون قريبا في خندق واحد عمليا وليس نظريا بعد أن جعلت حكومة رجب طيب أردوغان الجغرافيا التركية منصة للجهتين لتهديد امن واستقرار سورية أولا والسعي لاعادة رسم خارطة المنطقة على خطوط جديدة ثانيا ووضع المنطقة أمام مستقبل مجهول ثالثا.
ومن الآن فصاعدا لن يكون صعبا حتى على عميان السياسة تحديد هوية الجهات التي تشن حربا حقيقية ضد سورية والتي تسعى لخلق جبهة قتال في المنطقة بعيدة تماما عن جبهة فلسطين إذ أن عناصر هذه الجبهة باتت واضحة فهناك "الجغرافيا التركية والتقنية الغربية يضاف إليها التمويل النفطي ومقاتلو القاعدة" الذين ينتشرون في ذات الأماكن المخصصة لنشر بطاريات الباتريوت دون أن يشكل ذلك أدنى قلق للناتو الذي يزعم أنه يحارب الإرهاب أينما وجد.
وعندما تنام القاعدة مطمئنة في حضن الناتو على سرير أنقرة فإن الأسئلة تلح على المراقبين:" هل نجت أنقرة في جمع المتناقضات بالفعل" ليأتي الجواب بالنفي إذ أن صراخ حكومة أردوغان ليس إلا صدى لصوت الناتو وفي الحقيقة فإن الناتو هو من طلب نشر الصواريخ في تركيا لأهداف استراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتبدو الحكومة التركية كأنها في نوم مغناطيسي فتردد ما يملى عليها فتطلب نشر الصواريخ كما فتحت من قبل حدودها أمام مرتزقة القاعدة وأصوليي البترودولار برعاية غربية واضحة فهي لا تعلم لماذا ولكن الناتو يعلم.
"هناك من يخطط للبلاد من الخارج" هكذا علق رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي كمال كيلتشدار أوغلو على الموضوع وقال:" ان الحكومة تكذب على الشعب" واستعرض حيثيات نشر الصواريخ متسائلا لماذا تصدر عن الحكومة تصريحات متضاربة بشأن نشر صواريخ باتريوت فبينما ينفي أردوغان الموضوع يؤكد الناطق باسم الحكومة الخبر ويدعي أن قرار إطلاقها بيد الحكومة ليتراجع بعد ساعتين ويقول إن القرار مشترك بين الناتو والحكومة.
وفي القراءة السياسية يرى مختصون بالشأن الاستراتيجي الدولي إن اختيار سورية كجبهة عمليات حاسمة في حرب استخباراتية اقتصادية إعلامية تصبح بالضرورة عسكرية يشنها الناتو ارتكز على مقومات رئيسية جعلت منها هدفا دائما للاستهداف تتمثل بكونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قوة عسكرية حقيقية قادرة على فتح جبهة حرب لم تكن ولن تكون على حدودها الشمالية كما يريد الناتو الخائف على إسرائيل وليس على تركيا من الجيش العربي السوري ولذلك يعمل جهده لتدمير هذا الجيش كما فعل سابقا مع الجيش العراقي.
كما أن سورية تشكل واسطة العقد في محور المقاومة العسكرية للاحتلال من جهة والسياسية للمشاريع الغربية في المنطقة من جهة ثانية ومن هنا يعلم الغرب أن الاحتلال لن يكون مجديا وان المشاريع لن تمر بسهولة قبل كسر هذا العقد من وسطه وهو ما فشل في تحقيقه عبر وسائل مختلفة.
وحسب خبراء العلاقات الدولية فإن سورية احتفظت بمكانة مرموقة في منظ ومة العلاقات الدولية لكل من روسيا والصين اللتين تعلمان حقيقة المخططات الغربية للعالم وأهمية الحفاظ على القوى الرافضة للهيمنة الامريكية ولذلك فان الغرب يرى أن السيطرة الغربية المطلقة للمنطقة ستظهر نتائجها البعيدة في موسكو وبكين المنافسين الدوليين للولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
وربطا لمسرحية الباتريوت التركية الغربية بالمشهد الدولي نفى الخبير الروسي في الشؤون الاستراتيجية فلاديمير كوزين أن يكون تزويد أنقرة المنتظر ببطاريات صواريخ باتريوت "شأنا داخليا تركيا" مؤكدا أنه في حال أصبح التزويد أمرا واقعيا فسيعني ذلك أنه يضاف إلى الحالة العسكرية السياسية في منطقة الشرق الأوسط عنصر جديد يسهم في زعزعة الاستقرار وسيكون له اثار سلبية على "المصالح الدفاعية الروسية التي يخطط البنتاغون لمحاصرتها بشبكة وسائل استطلاعية تجسسية ووسائل عسكرية هجومية لمنصات الدرع الصاروخية" موضحا أن الصواريخ المطلوبة من قبل تركيا يمكنها اعتراض "الصواريخ البالستية وتدميرها".
ولم تتاخر الأطراف الدولية في الرد على خطوة الناتو إذ حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن نشر صواريخ باتريوت في الأراضي التركية " يزيد من مخاطر زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط".
تصريحات لافروف التي جاءت قبل أيام عبرت عن فهم روسيا لحقيقة النوايا الغربية من نشر الصواريخ إذ علق على ادعاءات الناتو وتركيا بان الصواريخ دفاعية ولن تستخدم لأي غرض هجومي تجاه سورية بالقول:" إذا كان السلاح معلقا على خشبة المسرح في المشهد الأول فإنه في المشهد الثالث سيطلق النار منه بالتأكيد".
أما مربط الفرس في استهداف سورية فيكمن في ضرب التنوع الثقافي والحضاري الذي تحتضنه تمهيدا لإشعال حرب أصولية فئوية قذرة في المنطقة تلغي الطابع الحضاري وتحرك العصبيات العقائدية مايتيح الفرصة أمام إسرائيل للتمدد ويخرجها من الصراع بعد تمويه هوية العدو الحقيقي واستبداله بفزاعات محلية خدمة للمصالح الاستراتيجية الغربية.
سورية أوضحت الصورة وقالت إن المعركة اليوم بين الدولة ومن يدعم منطقها ضد القاعدة ومن يقف وراءها ويدعمها ومن هنا بات واضحا أن من يطلب الصواريخ لاستهداف سورية ومن يرسلها ومن ينظر سياسيا لهذا وذاك ويمول تحركات مرتزقتهم على الأرض جميعهم يقفون مع الإرهاب ضد الشرعية وعليهم أن يتحملوا تبعات هذا الموقف على المستوى الدولي.
لقد أكدت تصرفات حكومة أردوغان حيال الأزمة في سورية اصالة انتمائها إلى الناتو وبعدها عن مصالح شعوب المنطقة وأسقطت عنها ورقة التوت الأخيرة إذ أن من يدعي الحرص على الشعوب لا يعمل في الليل والنهار لتفكيك قواها الذاتية ولايفتح أراضيه أمام نظريات السيطرة الغربية ولكن في المقابل فإن السوريين لم يراهنوا يوما على الآخرين بل اعتادوا أن يحصدوا ما يزرعونه ويخبزوا ما يطحنونه ويلبسوا ما ينسجونه ليبقى الوطن فيهم ولهم يعيشون فيه بكرامة ويدافعون عنه بشرف وبسالة.
