أما الحراك الشعبي الذي حدث في الشارع مطلع الأزمة، فقد حمل شعارات الحرية والإصلاح والحوار، ولم تدعُ أي مظاهرة لإسقاط النظام حتى خرجت مستشارة الرئيس الأسد وأكدت بأن الحكومة بصدد البدء بسلسلة إصلاحات وجاهزة للحوار وتلبية كل المطالب، وبشكل مفاجئ تغيّرت كل الشعارات الداعية للحرية والإصلاح، وأعلن عن جمعة (لا للحوار) وتلاها جمعة (الحظر الجوي والحماية الدولية) في قفزة تؤكد أن كل ما حدث في الشارع مطلع الأزمة تديره جهة واحدة، وليس جهات متعددة.
وبالتالي ما يقال عن المعارضة السورية بأنها مفتتة، ليس إلا لعبة أمريكية تهدف إلى تقويض أي حل سياسي يتمّ طرحه على الطاولة، وهذا ما تبيّن إبان مرحلة وقف إطلاق النار، حيث وافقت كل جهات المعارضة على وقف إطلاق النار، في حين رفضت ما تسمّى "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة وقف إطلاق النار، فيما لم تلتزم أي جهة من العصابات المسلحة بوقف إطلاق النار.
ولكن حتى "جبهة النصرة" ليست بعيدة عن كل العصابات والمعارضات السورية، وما زلزال دمشق الذي أعلنت عنه هيلاري كلينتون إلا دليل واضح على أن كل القوى الموجودة على الأرض بما فيها تنظيم القاعدة تتحرك بأمر واشنطن فقط، وما حدث خلال شهور الأزمة السورية يوضح أن هناك محركاً واحداً لكل ما يحدث في سورية عند التصعيد، ولكن عند الحديث عن حل سياسي يتحول عملاء واشنطن إلى متقاتلين فيما بينهم.
ومؤتمر توحيد المعارضة المزمع عقده في قطر، ليس إلا مناورة جديدة، وربما يكون إعلامياً للحديث عن أن المعارضة غير موحدة وغير قادرة على اتخاذ قرار بقبول حل سياسي، من حلول سياسية قبلت بها سورية وأقرها مؤتمر جنيف.
وتفتت المعارضة السورية ليس الحجة الوحيدة التي تستعملها واشنطن لإطالة أمد الأزمة السورية، فهناك حجة الانتخابات الأمريكية وعدم قدرة الإدارة الحالية على اتخاذ قرار بسبب الانتخابات، والأسبوع الحالي سيشهد مؤتمراً لتوحيد المعارضة السورية وقد تعهدت هيلاري كلينتون بتعيين قيادات قادرة على قيادة المعارضة، ويأتي مؤتمر توحيد المعارضة بالتزامن مع الانتخابات الأمريكية التي ستنتج إدارة أمريكية قادرة على اتخاذ القرار، علماً بأن حديث كلينتون عن تعيين شخص لقيادة المعارضة تزامن مع مهاجمة "مجلس إسطنبول" في ظل قلق أمريكي من بدء تراجع الموقف التركي، وبالتالي قد يكون كلام كلينتون ليس إلا إنذاراً لأردوغان بحرمانه من أي دور سياسي في الأزمة السورية.
هذا وقد طرحت تركيا مبادرة الترويكات الثلاث، وذلك لتلعب دوراً كوسيط بين عرب الاعتلال وحلفاء سورية من خلال تشكيل ثلاث ترويكات، وطرح أردوغان لهذه المبادرة جاء بعد زيارات لعشرات المسؤولين الأمريكيين لتركيا بناء على طلب الجانب التركي وعدم قدرتهم على تأمين أي مساعدات لحل المشكلة الكردية جنوب شرق تركيا، وكذلك جاءت المبادرة التركية بعد فشل زيارة أردوغان لأوروبا حيث لم ينجح بدفع أوروبا لإعادة إطلاق مفاوضات ضم تركيا إلى الإتحاد الأوروبي الموشك على الانهيار، ولم تنجح كذلك زيارة أردوغان في تجفيف موارد حزب العمال الكردستاني، فضلاً عن بدء تغير مزاج القبارصة الأتراك على إثر قيادة قبرص اليونانية للإتحاد الأوروبي، وبالتالي أردوغان بحث عن مكاسب فلم يجد في الجانب الأوروبي فطرح نفسه كوسيط على أمل تحقيق مكاسب اقتصادية لا يستحقها، حيث لا يزال أردوغان يعتقد بأنه قادر وهو هارب من ساحة المعركة على تحقيق مكاسب المنتصر فيها.
وكون سورية وحلفاءها قد أرسلوا رسائلهم للحكومة الأمريكية القادمة، عليهم البدء بكشف أوراقهم، خصوصاً وأن أردوغان تراجع عن تعهداته نهاية العام الماضي، وكذلك الأمريكيين تراجعوا عن مقررات مؤتمر جنيف ومهمة كوفي عنان.
ويبقى السؤال: ماذا ستحمل الأسابيع القادمة، فحل الأزمة السورية لن يختلف عن حل الأزمة اللبنانية وإن كانت الأزمة السورية لن تشهد عدواناً صهيونياً، حيث لم يرضخ الأمريكي إلا مرغماً على وقع ضربات المقاومة العراقية وأرسل على إثرها جنبلاط والحريري للاعتذار من دمشق، وكون التاريخ لا يكرر نفسه يجب التعامل مع الإدارة الأمريكية بأنها لا تتعلم من التاريخ، ولهذا يجب إعادة إنتاج التاريخ وإجبار الحكومة الأمريكية على جدولة انسحاب غير مشروط من أفغانستان كما جدولت انسحابها من العراق، ويجب حشر أردوغان للتفاوض عن تركيا وليس عن عرب الناتو والناتو. والسؤال الآخر: ما هي المفاجآت التي ستبدأ سورية قريباً بكشفها، في ظل وصول العدوان إلى مرحلة السيارات المفخخة والعبوات الناسفة وقذائف الهاون العشوائية، وفي ظل تخبط الحلف المعادي لسورية؟!!.