يحضر يحيى بن محمود الواسطي كأب عربي تشكيلي مطلق برأي الفنان قيس سلمان لاسيما أن الواسطي كمثال مستحضر يدلل دون مواربة على آثاره في أعمال فنية معاصرة تكسر الحدود بين الواقع والعالم الفني.. يقول سلمان.. الواسطي بمنمنماته قادم من أوائل القرن الثالث عشر للميلاد تحديداً من مدينة واسط جنوب العراق أعده النموذج الأكثر ملاءمة لجذور وهوية والتبني الشرعي للوحة عربية معاصرة تبحث عن سيمائها الخاصة ولاسيما أن أعمال كثيرين من رواد الفن التشكيلي في سورية أخذوا عن فن المنمنمات التي أبدعها الواسطي والذي كان له صولات وجولات في التصوير العربي المبكر كما في عمله الأكثر شهرةً (مقامات الحريري) الذي مزج فيه بين فن التصوير وفن المقامة خالصاً إلى جملة اعتبارية في ريادته بإبداع أول عمل في التصوير العربي.
الفنانون السوريون وفق سلمان هم واسطيون بالوراثة باستثناء أنهم لم يسلكوا نهجه الشخصي في إبداع اللوحة بل كان معظم شغلهم ينصب على محاكاة اللوحة الغربية لتبرز عبر عقود طويلة مضت يوضح سلمان هوية روحية ملتبسة في اتجاهين تتطلب ضرورة استيحاء هوية تختص بالفن التشكيلي السوري بعد أن دخل معترك التنظير لدعوات ونزعات التحديث في العالم العربي فلم يظل مفهوم التقدم مرتبطاً بالحذو الغربي بعد سنوات طويلة من تكريس المدارس السريالية والتكعيبية والدادائية حيث كان خيال الفنانين العرب وخصوصاً السوريين بداية ثلاثينيات القرن الفائت في مكان وأفكارهم الاجتماعية في مكان آخر وكان على هؤلاء الرواد الجدد الوافدين إلى أوروبا لتعلم ودراسة الفن التشكيلي مهمة أكبر بإخلاصهم للأصل الغربي ولأساتذتهم في كليات ومعاهد الفن التشكيلي في أوروبا.
من هنا يعيد الواسطي تياره الشخصي بقوة في تيار المعاصرة العربية الملتبسة على نفسها ليس في الفن التشكيلي وحسب بل في التناظر الجماعي مع الأطروحات الغربية الحداثية في الفن النابعة بقوة من سطوة متاحف الفن الحديث في الغرب الأوروبي والأمريكي على حد سواء.. الفنانة رانيا المدرس قالت.. بات من الصعب العودة إلى تحليل علاقتنا كفنانين عرب سوريين مع الأشياء وإنتاجها كمفاهيم وفق ما فعله فن المفاهيم الغربي كمجموعة متنوعة الدلالة على مستوى الصورة والذاكرة الجماعية بل بالعكس يبرز المأزق العربي للفن التشكيلي عندما ندفع الأمور نحو التشكيك بالمفاهيم الخاصة بالتصور العربي عن الكون والكائن ليتعاظم دور الهوية ودورها عندما تشعر الأنا الفنية الجماعية بالخطر فيضطرب الإيقاع الروحي الداخلي لتجربة عصر بأكمله فيصل الفنانون إلى الإحساس بحالة من الشعور بالخطر الدائم.
اللوحة السورية تشهد نزوعاً نحو تأسيس لواسطية جديدة في فن التصوير
لم يعد يكفي أن يعلن الفنانون السوريون عن أنفسهم كعرب لكي يصلوا إلى هوية عربية لفنهم بل يجب التأكيد من جديد على وصفة الواسطي..تؤيد المدرس ذلك مضيفة.. تشهد اللوحة السورية نزوعاً نحو تأسيس لواسطية جديدة في فن التصوير والشغل على سطح اللوحة قوامها الشخصي والشخصي جداً كما في أعمال حمود شنتوت وسعد يكن ونذير نبعة إلا أن الفنانين السوريين لم يقتربوا جميعهم من مفهوم الفن الشخصي لا في الأدب ولا في الفن التشكيلي وهذا ما فرخ علاقة أكثر التباساً مع المدارس الغربية التي تركز على شخصية العمل الفني وعلى تجربة الفنان ونظرته العميقة للأشياء إزاء مفاهيم نابعة من وجودها في الفضاء البصري العربي المغلق على نفسه.
هذا ما رده الناقد السوري سعد القاسم إلى العولمة وإلى واقعها الأكثر قسوة عندما قدمت نفسها كفعل انتقال سلع ومفاهيم من المركز الأقوى إلى المراكز الأضعف عالمياً فغالباً هناك عدم حدوث عملية لانتقال معاكس ونتيجة لهذا الواقع يتضاءل سنوياً حضور الثقافة العربية بينما تقف ثقافات على حافة التلاشي والاندثار والتدمير القسري حيث يقر القاسم بصعوبة تدوين تاريخ موحد للفن السوري الحديث بسبب الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية المعقدة إلا أن الفترة الواقعة بين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يصنفها الناقد السوري كبدايات لتاريخ الفن التشكيلي في عدد من الحواضر العربية المهمة وخصوصاً في دمشق وحلب مخالفاً بذلك أطروحة الواسطي على أنه أول فنان عربي نقل الصور الذهنية إلى واقع فني أسس عبره أصول التقنية الغرافيكية لمدرسة بغداد القرن الثالث عشر وذلك عندما استخدم الحبر الأسود وألياف نبات الكافور وزيت الخردل في لوحاته التي أصابها الإهمال وهربت إلى متاحف باريس وسان بطرسبرغ.
من الإجحاف القول إن الفنان السوري تأثر ولم يؤثر
ليس ثمة أعلى من الكشف ولا أدنى من الحجاب فالكشف غاية المطالب وهو الرؤية.. جملة يستشهد بها الفنان مأمون البوشي مستذكراً تجربة بيل فيولا فنان الفيديو آرت الذي قدم كتابه أسباب للدق على باب بيت مهجور الذي استفاد أيما فائدة في تأليفه من مسائل الشيخ ابن عربي ليقول: الكون يواصل كونه في زمن الفعل المضارع ومن الإجحاف القول أن الفنان السوري تأثر ولم يؤثر فلقد تأثر غلاة الفن المعاصر في أوروبا بأطروحات ابن عربي كحال الفنان تاتشيتا دين والياباني أون كاوارا.. حتى أن فنانين معاصرين من أمريكا كالفنان الشاب دوج أتكن تأثر بالفن العربي الإسلامي.
ويوضح البوشي أن هناك نظرة جديدة بالنسبة للمتحف العربي للفن الحديث لاسيما عند اللوحة السورية التي تجاوزت جغرافيتها العربية إلى محافل المعارض الدولية في دبي وباريس وروما ونيويورك.. بل إن أهم متاحف الفن في العالم تزخر اليوم بلوحات لفنانين سوريين كفاتح المدرس ولوءي كيالي وأدهم إسماعيل وهذا برأيي لا يندرج تحت مفهوم الهوية السورية للفن وإنما نظرة عربية سورية للحداثة ولما بعد الحداثة وللمفارقة هي ذاتها النظرة التي أعادت الفن للنخبة وللمتاحف بعد أن كان في الحضارات القديمة يقدم في المعابد والساحات العامة كحالة مشاعية وللجميع وهذا برأيي ما يجب أن نعمل عليه لإعادة الفن للناس قبل أن يكون للمتحف فأعمال فنية كالتي حققها مايكل أنجلو مثلاً في سقف كنيسة السكستين بدعوة من البابا يوليوس الثاني كانت في النهاية للناس قبل أن تكون لنقاد الفن ومنظريه.
اللوحة عندما تكون مخصصة لطبقة الإنتجلنسيا يصبح الفن للطبقة المثقفة
طرح قابله طرح مواز للفنانة شادية الأيوبي التي قالت إنها لا تؤيد حالة الفن كفن بل حالة التمتع بالفن فاللوحة عندما تكون مخصصة لطبقة الإنتجلنسيا يصبح الفن للطبقة المثقفة دون سواها ويصبح من الصعب التكلم عن هوية لفن سوري لا تشكله إلا فئة قليلة من البشر الذين يرسمون لوحات لبعضهم البعض فالتباس الهوية الفنية أدى إلى تراجع السرديات والتصورات الكبرى في اللوحة التشكيلية الوطنية باستثناء ما قدمه الفنان أحمد معلا من جداريات حاولت دمج الحروفية بالتصوير والغرافيك والنص الشعري العربي على نحو ما قدمه معلا على هذا الصعيد من معارض اشتغل فيها على نصوص المعري والمتنبي ليصبح الزمن المضارع هو الأفق الوحيد لاستعادة الجليل والجميل كقيم جمالية عربية سورية خالصة تغاير أطروحات هيغل بموت الفن وبزوغ فنون تدوير النفايات.
الفن التشكيلي يشبه بشره في كل شيء قبل أن يشبه العصر الذي ينتمي إليه وهو كما يصفه الناقد مراد الدقر بفن الزمن التلفزيوني المدمر حيث تنبع المعاصرة الجديدة من تكسير الحدود بين الواقع والعالم الفني من غير وجود مرجعيات سوى طبيعة العمل الفني نفسه فكيف فكرت اللوحة السورية عبر مزاج فنانيها بالأسلوب وما هو السياق الجماعي الذي من الممكن أن ننظر عبره لتقييم خصوصية وملامح اللوحة السورية لاسيما في العقود الخمسة الماضية ومن يأتي الجديد، والعمل الفني هل هو انفجار مغلق على ذاته.
لكن لماذا لا ننظر إلى الإنتاج الفني المعاصر كالكومبيوتر والديجتال كفرشاة اليوم... تتساءل الفنانة جوليانا سلوم مؤكدة على أن الفن كان وسيبقى للنخب كون العمل الفني موجودا في المتاحف والصراع يبدو اليوم مشروعاً بين اللوحة والشاشة اي بين لوحات ابو صبحي التيناوي الساحرة ولوحات الفورتيزم الضوئية فعلى الرغم من أن الثورة الصناعية في أوروبا أنتجت بيكاسو كأهم رمز لتجلياتها الاجتماعية مختلفة تماماً عما خاضه العالم العربي من ثورات وفترات استعمارية مباشرة إلا أن لدى الفنان السوري دائماً القدرة على تكوين وعي خاص به مما يجري حوله فاللوحة الفنية لا يمكن لها إلا أن تكون خاصة وفريدة مهما حاولنا تأصيل وجودها المدرسي واستنساباتها الأكاديمية.
إذاً تبقى علاقة الفن بالمجتمع وهي هنا الأهم تعلق سلوم..التوجهات الجديدة للفنون العربية بتسويق أجندة وافدة في منتهى الخطورة وضعت المحترف العربي الجديد أمام تحديات كبيرة بسبب ضياع البوصلة وسطوة السوق إلا إن هناك تجارب شبابية أصيلة لم تنخرط في هذه الموجة والمهم اليوم هو ضرورة استجواب الذات أولاً لتلمس الطريق إلى الفن المحلي لكن عندما نتساءل عن ضياع الهوية والخطر المحدق بشخصية فنوننا البصرية علينا البحث عن مصادر التمويل للمعارض والبيناليهات الكبرى وهذا ما نبه إليه الفنان إحسان عنتابي مشيراً إلى أن النزوح إلى مصادر إلهام جديدة أفقد المحترف السوري جذوره التدمرية والأوغاريتية معتبراً أن الهوية المحلية هي الطريق إلى العالمية مشيراً إلى الصدمة التي يعيشها الغرب اليوم باندحار فنونه المحلية لافتاً إلى فرادة تجربة فاتح المدرس في المحترف العربي كنموذج للهوية المحلية السورية.
يقول الفنان الياس الزيات:صحيح أن الفنان العراقي يحيى بن محمود الواسطي استطاع أن يخلق اتجاهاً فنياً خاصاً بفن الرسم في أوج الحضارة العربية وذلك عبر أسلوبه الخاص المتميز الذي كان منتشراً من المنطقة الرافدية إلى دمشق ومصر إلا أن معادلة الواسطي الفنية المعتمدة على النكهة المعاصرة في الطرح الموضوعي فتحت الأبواب واسعة أمام الفنانين فراحوا يحاكونها أو يتناغمون معها ويضيف:إن التجمعات الفنية في الأربعينيات بسورية تحولت إلى أندية في الخمسينيات وكانت تضم العاملين في الرسم والموسيقا والفوتوغراف مشيراً إلى أن هناك العديد من الفنانين الرواد الذين لعبوا دوراً في مخاض الحركة التشكيلية آنذاك أبرزهم ميشيل كرشة ومحمود جلال ونصير شورى وناظم الجعفري ورشاد قصيباتي وصبحي الشعيبي وعبد الوهاب أبو السعود.
هناك العديد من الفنانين المجددين في الحركة التشكيلية السورية خلال الستينيات
وبين الزيات أن هناك العديد من الفنانين المجددين في الحركة التشكيلية السورية خلال الستينيات بينهم محمود حماد وأدهم إسماعيل وفاتح المدرس ونعيم إسماعيل وبرهان كركوتلي ومروان قصاب باشي ولؤي كيالي وممدوح قشلان ونذير نبعة وخزيمة علواني وغياث الأخرس وغسان السباعي وهذا ساهم في تكوين ملامح إن لم أقل هوية لفن سوري أثبت حضوره وقدرته على تحقيق معادلة صعبة بين الأصالة والحداثة بين نظريات الفن وذائقة المجتمعات العربية الحديثة.
هذه علاقة وجدها الفنان إحسان عنتابي بين الطبيعة والإنتاج الفني الإنساني في تنوعه المعماري والحرفي والأدبي والموسيقي في سورية تثبتها طبيعة البيوت التراثية والأبنية المعمارية والنصب النحتية في حلب والجزيرة السورية وتدمر إذا ما تم ربطها مع طبيعة تلك المناطق ومنها نرى إنتاج المحترف الوطني نماذج من الأعمال النحتية لعدد من الفنانين الرواد والمعاصرين الذين استمدوا أفكارهم وعناصرهم من التراث السوري بألوانه ومفرداته حيث نشاهد مادة بصرية استثنائية لنماذج متعددة من الأزياء السورية وهياكل من الطابع المحلي والتكوين المعماري لكل منطقة من سورية إضافة الى مجموعة من الأعمال التشكيلية الغنية باشتقاقات لونية قام بتركيبها أصحابها بحسب المنطقة التي يعيشون فيها ما يثبت قدرة الفن السوري على استخلاص هويته وفرادته وشخصيته الفنية رغم كل ما يشاع اليوم عن سطوة الفضاءات العولمية في اللوحة السورية.
والقراءة اليوم في كتاب كالذي يتضمن حواراً فكرياً وإبداعياً بين الفنان فاتح المدرس والأديب أدونيس تبين أهمية استلهام الماضي ضمن معطيات الحاضر بغية الخروج من معوقات الوصول إلى الإبداع الحقيقي حيث يقول المدرس في معرض رده على الشاعر السوري: الفن الحداثي كان مع القيم الجمالية على حساب القيمة الفكرية مبيناً أن هذه المعادلة أخذت تنقلب اليوم لمصلحة المفاهيم الفكرية على حساب القيم الجمالية وذلك من خلال الفصل بين التصوير الحديث والتصوير الكلاسيكي/ فاللوحة الباحثة عن نقاط ارتكاز أساسية تضيف إليها الحب والعاطفة والإحساس لدى المدرس والحقائق الصغرى لديه هي أشد صعوبة معتبراً أن العثور عليها يتطلب جهداً معقداً ومجرداً من أي غاية وهذا يعتمد على الإحساس الكبير بهموم العالم والبيئة والمجتمع وبالتالي الإنسان بالمفهوم الكلي.
مصطلح الريادة في الفن التشكيلي السوري يطلق على الفنانين الذين استطاعوا إدخال اللوحة الفنية إلى الساحة الثقافية السورية
الفنان التشكيلي الشاب ناصر حسين قال إن مصطلح الريادة في الفن التشكيلي السوري يطلق على الفنانين الذين استطاعوا إدخال اللوحة الفنية إلى الساحة الثقافية السورية منذ أربعينيات القرن الماضي رغم تقديمهم لمدارس فنية قديمة في ذلك الوقت كالانطباعية مدللاً على أن هناك عدم تواصل بين الفنانين الشباب والمعاصرين مع الفنانين الرواد وأعمالهم التي يكاد لا يعرفها أحد نظراً لعدم وجود متحف خاص بهم أو أرشيف توثيقي لأعمالهم خلق حالة من الفراغ فيما يسمى غياب القدوة الفنية للشباب وهذا ما جعلهم يتوجهون إلى الفن الغربي ليجدوا ضالتهم فيه فصار نتاجهم الفني يحاكيه ويقلده.
وأوضح حسين أن هناك فنانين سوريين وعربا يقدمون عملهم الفني دون هوية خاصة بهم وبما يحاكي أعمالاً محددة لفنانين أوروبيين وعالميين آخرين مبيناً أن تكريس صالات الفن لأسماء فنية محددة جاء مع غياب لحركة نقد فنية جدية تستطيع أن تعري الأعمال المزيفة وتبين الفن الحقيقي من الفن المعد للتسويق فقط.
هذا الطرح قابله تسمية أخرى للفنان السوري ياسر صافي الذي وصف الأعمال التي يتم تقديمها اليوم على الساحة الفنية بالهجينة والتي لا تحمل الهوية معللاً ذلك نتيجة تداخل فنون الشعوب مع بعضها واعتماد الحركات الفنية الحديثة على نتاجات الحضارات في مختلف البلدان ليختلط القديم بالحديث في طرح لا يخلو من الفوضوية البصرية والفكرية فالاختلاف يكون في الحداثة بمعناها الغربي عما هي عليه في الشرق ذلك أن عدم اكتمال التجربة الفنية في سورية سبب حالة عدم تآلف بين الذوق السائد في الساحة التشكيلية السورية مع الابتكار العالمي بمفهومه الإبداعي ما حول الإبداع حسب صافي إلى لعبة تسويقية بحتة بإدارة من صالات الفن ومزاداته سعياً وراء الربح فقط الذي جاء على حساب الفنون البصرية السورية ونكهتها الوطنية ككل إلى جانب متطلبات الفنان المعاصر الذي أخذ يهرول وراء المعاصرة بمعناها الاستهلاكي وما تستدعيه من توجيه للفن نحو المتعة والمنفعة المادية.
سامر إسماعيل