وحين وصلنا الى ما قبل جسر الصداقة وجدنا انفسنا مجبرين على الوقوف في طابور طويل من السيارات التي لأم يسمح لها بالمرور من أمام ذلك النصب .. وصلت الزحمة في شارع الزبيري إلى أمام المستشفى الجمهوري أو ربما وصلت إلى جولة كنتكي .. كنا متأكدين أن السبب يتعلق بنصب الاحتلال العثماني و الوقفة و زيارة الوزير العثماني ..
بعد ما يقارب الساعة من الوقوف الإجباري سمعنا اصوات صفارات سيارات النجدة التي ترافق المواكب الرسمية و ما هي الا لحظات حتى رأينا الموكب يسير في الخط المعاكس ، كان موكبا رسميا يرافق عددا ليس بقليل من الحافلات الكبيرة الممتلئة بأفواج من الأتراك العائدين من زيارة نصب الاحتلال الذي نقصده لعمل وقفة احتجاجية على تمجيد الاحتلال العثماني .
لم نكن نعلم ما الذي حدث هناك إلا بعد فتح الخط ، نزل الشباب الأربعة من السيارة ليسبقوني مشيا إلى حيث يفترض أن نلتقي بالشباب الذين كانوا قد سبقونا ، لم أكن أعلم أننا قد تأخرنا كثيرا ، حين وصلت بالسيارة إلى قبالة النصب وجدت الشباب الأربعة ينتظرونني و الاستياء في وجوههم فبقية الشباب لم يكونوا هناك .
اتصل الأخ محمد الشرعي على تلفون الأخ بلال المقالح فكان يأتي الرد بأن التلفون مقفل ، فتمتمت بشك : ربما يكونوا قد قبضوا عليهم .. لم أكن واثقا من ذلك غير أن الاحتمال كان واردا سيما و أننا رأينا بأعيننا كل ذلك الموكب العثماني و تلك الحراسة المشددة على المكان .
نزلنا السايلة قاصدين الحصبة و في الطريق اتصل بنا الأخ مصطفى المنصور ليخبرنا بأن الناشط بلال المقالح والناشط حامد البخيتي والناشط محمد الشيخ العلوي تم القبض عليهم و هم محتجزون في قسم جمال جميل لكونهم رفعوا علم سوريا أمام الوفد التركي الذي حضر ليضع اكليل زهور أمام تذكار احتلالهم لبلادنا لقرون . كانت الخبر مزعجا و كون احتجازهم في قسم الشرطة خفف الأمر فبدا الموضوع بسيطا .
عدنا إلى التحرير لنقف إلى جوار أخوتنا المحتجزين لنجد ضابط البوابة يستقبلنا بكل احترام و حفاوة مستنكرا احتجازهم و معبرا عن تضامنه معهم و يقول بأن هذا الاحتجاز خارج نطاق مسؤلية القسم و أن المسؤول هو مدير امن المنطقة ، الضابط أوصلنا إلى الحجز لنجد الثلاثة خلف القضبان يضحكون و يسخرون من هذا التصرف الغير مسؤول و الغير أخلاقي و المخالف للقانون الذي يكفل حرية التعبير ، تحدثنا معهم لدقائق و مضينا بعد ان تلقينا تطمينات بأن هناك مساعي لإطلاقهم .
لم نبتعد كثيرا عن التحرير حين تلقينا اتصالا يبشرنا بأنه تم إطلاقهم .
تحية للثلاثة الأحرار الذين حملوا على أكتافهم مسئولية تاريخية نيابة عن كل يمني حر يأبى تمجيد تاريخ المحتل و ذكرى المحتل و يرفض التسليم لثقافة الخنوع و الاستسلام و الذل .. ثلاثة أحرار جسدوا معنى الحرية في لحظة حرية أمام تذكار تاريخ أعداء الحرية ، و بوجه المتباهين بذكرى المستعمر و المحتفلين بمبعوث المستعمر و بوجه المبعوث العثماني الذي جاء ليشرب كأسا الفخر و يتنفس بخيلاء أمام بقايا نفوذ أجداده الذين كانوا يحكمون اليمن و اليمنيين حكم الغزاة و يعبثون باليمن و اليمنيين عبث الأعداء ..
لقد أشعل ثلاثتهم الغيرة في نفس كل يمني و أعادوا إلى الأذهان ذاكرة ملؤها الدم و النضال و الفداء في سبيل تحرير اليمن من ذلك الاحتلال ، و أعادوا إلى الذهن صورة العثماني البطاش و المستكبر و المتغطرس و المتعالي و المعتدي و المحتل ، و أعادوا إلى الذهن ذكريات القمع و السخرة و الخازوق و الدمار و الخراب و كل تلك الأساليب التي كان الأتراك يتعاملون بها مع اليمنيين ..
